⁠الخامسة عصرًا
٦٣٠ كلمة

في أحد شوارع العجوزة التي تحرقها شمس يوليو أجرّ قدمي محاوِلةً الوصول إلى مكان قد تم محوه من ذاكرتي تمامًا. ملابسي تكاد أن تذوب من التصاقها بجسدي بفعل العرق، وبالبحث عما تبقى من أشجار في القاهرة الإسمنتية وأسفل أحد الكباري ذات الرائحة النفاذة وآثار بول سكان العجوزة وسائقيها، أقف أسفل شجرة تكفي لكي أتمكن من رؤية شاشة هاتفي.

صوت قلبي أعلى من أصوات أبواق السيارات في ساعة الذروة تلك. أصابعي الدبقة تائهة وكل ما هو واضح مشوّه حتى باغتني أحدهم باصطدام في كتفي، وهنا ظهرت لافتة الحديقة الصغيرة التي زرتها منذ يومين.

على البوابة وجه آخر من الوجوه الغائمة، ملتهيًا في هاتفه، يحادثه أطفال لا ينظر لهم، يقطع لهم التذاكر، مكملًا فيما لحسن حظه يلهيه.

”أدخل الجنينة التانية إزاي؟“ أُقاطعه بتلك الجملة التي استفزت انتباهه، فينظر ويرد: ”هي دي الجنينة“. وبعد دقيقتين في محاولة لإقناعه بوجود حديقة أخرى في مكان ما قريب، بدأت أشعر بسخونة دمي؛ فكل شيء يحترق بداخلي وصولًا إلى عيني.

لم أفهم ما يقوله ولم يفهمهم وكدت أصاب بجنون يدفعني للصراخ في وجهه، إلا أنه قد يبدو كلامه منطقيًا، ربما لا توجد حديقة أخرى.

وبعد أن سحبت نفسي خارجًا أراجع كل أحداث حياتي في اليومين الفائتين، سحبتني ألف درجة سلم مقابلة للحديقة في جراج أسفل الكوبري، كل شيء رمادي وملابسي يكسوها تراب لا أعرف مصدره.

قدماي تسبقاني ولا أستطيع أن أفكر قليلًا قبل أن أصل لدرجات السلم المكسورة والمكسوة بتراب وفضلات حيوانات، حتى يعرقل طريقي وجه آخر لا أتذكره: ”أؤمريني..“

”داخلة الجنينة“

”ممنوع..“

وما إن بدأ السلم يبتعد عني ويقترب صوت الرجل حتى خانتني دموعي التي احتفظت بها إلى حين الوصول.

لم يصمد أمام كل الصراخ والنحيب وتركني في سلام مع انهياري العصبي والحديقة المهجورة؛ أشجار قديمة مهملة ورائحة تراب وبول، وكلبة أم وصغارها يتهافتون مسرعين نحو قارورة مياه مملوءة لآخرها. بؤس يحتضنني من الباب وصولًا للمقاعد الخشبية التي أكلتها الشمس لتصبح أكثر قسوة عند الجلوس.

وما إن جلست حتى مر بي رجل يتحاشى النظر إلي فور أن وجدت دموعي الراحة لتختلط بعرق وجهي. الأرض صلبة ومتعطشة، ترتوي من زجاجة ماء دافئة احتفظت بها في حقيبتي.

وبعد أن اخترق وجهي بالدموع والعرق والشمس والتراب، احترقت روحي تباعًا، حتى زارتني نسمة هواء صيفية ولا يجول في ذهني سوى: ”ياريتك كنتي هنا.. الجو جميل اليومين دول“.

ومعها زارني أحد سكان الحديقة المهجورة التي من المفترض ألا يدخلها أحد ناهيك عن سكنها، وأنا جالسة أمام تلك البقعة المبللة من الأرض وعليها ثلاث صخور ضخمة حتى لا تنبش بها الكلاب كما قال لي حارس الحديقة وهو يحفرها ويردمها.

قاطع نحيبي ذلك الساكن بابتسامة لم يسعني إلا أن أراها جيدًا دونًا عن كل شيء مشوش أمامي قائلًا: ”السلام عليكم.. دخلتي إزاي؟“. أشرت ناحية الباب بعدم فهم وعدم فضول أيضًا، فاعتذر عن مقاطعتي ليمضي في طريقه ويتسلق سور الحديقة الحديدي المطل على طريق الكورنيش السريع.

وما إن هدأ قلبي واحتواني الحزن وواقع أنني لن أراها ثانية، سألت: ”الراجل ده كويس بقى؟ بيخلي باله منك يعني؟“.

فور أن أنهيت الجملة تسلق الساكن مجددًا سور الحديقة للدخول، ومع محاولات فاشلة لأحول عيني عنه، أحسست بظله وظهرت يداه ممدودتين بعلبة مشروب ”فانتا“ تبدو باردة وعليها بضع آثار من الطين إثر اختلاط تراب يديه بها: ”مش عارف أضايفك إزاي فماتكسفنيش“. توتر لساني: ”لا لا..“، ليقاطع رفضي: ”أنا ساكن هنا وانتِ ضيفة لازم أضايفك، ثواني وجايلك“.

وبالفعل هي ثوانٍ معدودة حتى جاء ومعه ماصة بلاستيكية مغسولة بالماء معقبًا: ”شكلك زعلان، سلميها لله“.

لم تتمكن روحي من قبول الرسالة حتى ظننت أنه من الممكن شبح أو خيالي الحزين يتوق لمن يربت على قلبي بكلام مبتذل، ولكن في الأرض الجافة تلك تسكنها منقذتي الوحيدة؛ توقعت أنها ترد على سؤالي، وسيلتي الوحيدة للنجاة تنجيني مرة أخرى.. صافي التي غنى لها محمد منير: ”انتِ نبع الحب صافي“، لم تتركني متسائلة حتى عندما تساءلت: هل نفترق قريبًا؟ فافترقنا.

وفي تلك اللحظة تذكرت قاعدة أمي: ”ماتاخديش حاجة من حد“ مع أول رشفة من الفانتا وصوت طلال مداح يغني لنا أنا وهي: ”عجزت بلساني أوصفلك نعيم الحب في وصلك وانت كريم من أصلك“.

شارك