الثانية ظهرًا
٨٣٩ كلمة

علاقتي بالحشرات سيئة للغاية، بمجرد رؤيتهم أشعر وكأنهم شنّوا حرب على جسدي، أقفز أعلى من الفرقع لوز، أدور حول نفسي كصرصور تلقّى لتوه صفعة من حذاء جلدي فاخر نعله مصقول، ولكن روحه تتشبث بالحياة فيحرك أرجله في كل اتجاه.

لم أتخيل يومًا أني سأقع في غرام صرصور الليل!!

يتسلل إلى قلبي السلام بينما أسمعه فأغشى على صوته، مودعةً معه ضوضائي.

انتقلت لبيت جديد في موسم تزاوج صرصور الليل، الذي يصدح بحسه المزعج ليجلب أنثاه، أسكن في دور أرضي مرتفع تحيط به حديقة صغيرة أتابع نمو نباتاتها، تغير ورقات الشجر، وانتفاخ الورد البلدي بألوانه الخاطفة. ملاصقتي لموطنه جعلتني شديدة القرب منه، أشهد مناسبته السعيدة في موسم ازدهاره.

لم ألحظ في بادئ الأمر أنني مرحّبةٌ بوجوده جانبي، تعرفت عليه، اعتدته وسلمت به بشكل تلقائي دون وعي مني، حتى أنني أصبحت ممتنّةً لوجوده في ذلك التوقيت. عندما أدركت العلاقة التي نشبت بيني وبينه، أيقنت أنه إذا جاء الصرصور في وقت مختلف عن ذلك لبغضت وجوده ولعنت صوته المزعج، وأنا أكره الضوضاء ولا أنعس في وجود أي صوت.

امتناني لبيتي الجديد جعلني أرى كل الأشياء جميلة.

في ليلة طار مني النعاس، الجميع نيام، والسكون يحل المكان باستثناء الحفل المقام في حديقة منزلي، ارتديت ملابسي وذهبت لأشاطره، وقفت حافية القدمين في البلكونة، أستشعر برودة الأرض تحتي، وأتنسم رائحة الزرع التي تأتي لأنفي كلما هبت ريح صغيرة في ليلة صيفية هانئة بهواء لطيف.

السماء كاحلة والأضواء خفيضة، وميض البيوت النائمة وحده من يعكس الضوء، لم أتمكن من مشاهدة مراسم الحفل، ولكني كنت أحد الحاضرين التائبين عن الأحزان التي بدأت أقتلعها من جسدي رويدًا.

ما زالت الجروح حارقة ولكني على يقين أنها ستندمل، بل أراها تندمل على مهل.

الحفل الصاخب أشعل فتيل الفكر بقلبي، فتح بابًا أغلقته عنوة ووضعت عليه 100 ”ترباس“.

لماذا أشعر بالحزن؟

حتى في أكثر لحظاتي التي يفترض أن تكون هانئة يرافقني، يقف بيني وبين الفرح.

سألت نفسي: متى شعرت بسعادة شديدة كالتي يقفز فيها الفائزون في الهواء وتصل ضربات قلوبهم عنان السماء؟ لم أجد ذكرى واحدة سعيدة بذلك المعنى، بل يرافقني الحزن في أكثر أوقات يفترض بي أن أكون سعيدة، إذًا أنا السبب.

ربما صدمتني الخاطرة التي كسرت كل معتقداتي بأن الكون يتآمر ضدي ويضع لي المكائد التي تقف بيني وبين ذاك الشعور المسمى بالسعادة، شعرت بفخر بالرغم من أنني أمسكت بالعطل داخل قلبي المضروم ولكن على الأقل وجدته.

سكن صوت صرصور الليل بعدما وصل لمبتغاه مع أول شروع لانسدال القمر وقبل إعلان خيوط النهار. قررت إجبار نفسي على النوم ليرافقني صدى أصوات رفاقي حتى مطلع الحلم الأول، الذي لا أذكر منه سوى أطياف وغيره من الأحلام التي لا أستطيع عدها في كل ليلة.

في الصباح كتبت في دفتري: ”الأحزان لا تلازمني ولا تتصيد لي لتقتل فرحتي، أقتلها بيدي لأني لم أتصالح مع كل ما حدث في حياتي منذ طفولتي، أعيد في ذاكرتي الأحداث أجيد تمثيلها بحرفية دون هدف“.

ذاك الاعتراف الذي أجبرني عليه صرصور الليل جعلني أتأمل ما زرع بصدري وأنا صغيرة بأنه لا حق لي في الحزن ما دمت بصحة جيدة في منزل آمن يحيط بي أهلي، آكل وأشرب ولدي الكثير من النعم.

جمل معتادة كانت تلقى علينا في الصغر ولكن نقشت في صلبي، خزنها عقلي، وهكذا كنت أتعامل مع كل مكروه أنه لا يستدعي حزني، فهناك من هم في كروب وكوارث تستدعي حزنهم.

في إحدى المرات.. كنا نسكن بيت جدتي أثناء سفر أبي، وعد خالي أطفال العائلة بخروجة في أحد ليالي إجازة المدرسة الصيفية، كما كان يفعل كثيرًا، نتكدس جميعًا بجانب بعضنا في الكنبة الصغيرة التي تسع الجميع، نثرثر ونضحك في واحدة من أكثر اللحظات سعادة.

ارتديت جيبة حمراء قصيرة بها ورود بيضاء وتيشرت أبيض به ثلاث زهور وردية صغيرة جدًّا بالكاد يمكنك تمييزها، صففت شعري ونمقت الغرّة بعناية وخرجت ليخبرني ابن خالتي الأكبر سنًّا أن خالي اصطحب الصغار وخرجوا ونسوني.

في البداية لم أصدقه، خرجت للبلكونة لأجد أن سيارة الأحلام البيضاء غير موجودة، تفحصت كل ركن في البيت، لا أحد من الصغار، الكبار فقط، لماذا نسوني؟ هل أنا غير مرئية؟ شعرت بضآلتي، لم يتذكرني أحد فيهم؟ انكسر قلبي الصغير في صمت.

بعدما عادوا أعطاني خالي كيسًا كبيرًا من الحلوى ووعدني بخروجة لي وحدي ليرضيني، لم أستطع إخباره بما شعرت، فقط ابتسمت خجلًا وأخذت الحلوى. أخبرتني أمي وخالاتي أنه لا يجب عليّ الحزن أو البكاء، فقد تذكرني خالي بكيس كبير من الحلوى دونًا عن الباقي، اعتذر مني الجميع وقبلت اعتذارهم.

كان يفترض بي الصراخ والبكاء والاعتراض، لماذا بطفلة صغيرة أن تتصرف بحكمة وتعذر الكبار ولا تستشيط غضبًا؟

في تعريف الحزن يقال عنه استجابة طبيعية، أحد المشاعر الأساسية، نحيته أنا جانبًا وكأن لا حق لي فيه فكل الأمور لا تستدعي الحزن، كبرت وأنا أتصارع معه فازددت غضبًا غير مفهوم. لم أعد الصغيرة المطيعة المحببة والمفضلة للجميع، أعترض وأصرخ وأتشاجر ولكن دون اعتراف مني أني حزينة، بالرغم أني غارقة في قتامته يصاحبني أينما ذهبت.

والآن أصبحت أحترف التعامل مع الأحزان، أخذ الأمر مني عمرًا طويلًا لأعرف أنه يحق لي أن أحزن لأني شعرت بالإهمال، أو عندما ضاعت لعبتي المفضلة، انكسر كوبي، عندما غادرتني صديقتي، في لحظة وفاة جدتي، وعندما يخيم على صدري الحزن فجأة دون سبب.

يحق لي أيضًا أن أسمعه، أتقبله، أترك له مساحته حتى يمر.

ومن داخل قلبي أشعر بامتنان للبيت الذي التقيت فيه بالصرصور من حثني على البدء بالتصالح مع ندباتي..

شكرًا لصرصور الليل السعيد في روايتي وربما الحزين في رواية الآخرين.

شارك