ذاكرة ممتلئة بأشياء لم تعد موجودة
في البرمجة، مش كل حاجة بتستهلك ذاكرة الجهاز بتكون ظاهرة قدامنا. قد تُغلق نافذة، وتنتهي مهمة ويبدو أن كل شيء انتهى، لكن في الخلفية قد تظل عملية ما تعمل وتستهلك جزءًا من الذاكرة دون أن نلاحظها.
ربما نفعل الشيء نفسه نحن أيضًا!
تنتهي علاقة، يبتعد شخص، تمّر سنوات على موقف آلمنا، ونقنع أنفسنا أن الأمر أصبح من الماضي، ولكن.. شيئًا منه يظل يعمل في الخلفية.. كلمة ما زلت تسمعها بصوت والدك، خوف تحمله إلى علاقة جديدة، رد فعل لا تفهم لماذا أصبح جزءًا منك ؟ ولماذا هذا التصرّف هو آلية الدفاع التي يستخدمها عقلك ليحميك؟
الانتهاء في الواقع لا يعني أن الأشياء التي غادرت حياتنا منذ زمن لم تعد تستهلك مساحة منها.
وهنا تظهر واحدة من الأفكار المثيرة في البرمجة:
آلية جمع المهملات Garbage Collection
في بعض لغات البرمجة، عندما ينشئ البرنامج كائنًا جديدًا، أو مجموعة من البيانات، يتم حجز مساحة له في الذاكرة. لكن هذه المساحة لا يمكن أن تظل مشغولة إلى الأبد.. لذلك وبشكل مبسّط، توجد آلية تتعقب الأشياء التي لم يعد من الممكن الوصول إليها، ثم تسمح بتحرير الذاكرة التي كانت تشغلها (المساحة التي تحتلها).
المثير للاهتمام أن الجاربج كوليكتور ”جامع المهملات“ لا يسأل إن كان هذا الشيء قديمًا، ولا إن كان مهمًا في وقت سابق حتى. السؤال الحقيقي هو..
هل ما زال هناك شيء يشير إليه ؟
في البرمجة، نسمي هذه الروابط ”ريفرينس“.
قد يكون هناك شيء لم نعد نستخدمه مباشرةً، لكن طالما ما زال هناك ريفرينس يقود إليه سيظل هذا الشيء حيًا في الذاكرة، وربما نحن نفعل نفس الشيء! قد تنتهي التجربة نفسها، لكن يبقى لها بداخلنا ”ريفرينس“.
شخص رحل، لكن رأيه فينا ما زال يحدد الطريقة التي نرى بها أنفسنا. علاقة انتهت، لكن الخوف الذي تركته أصبح حاضرًا في كل علاقة جديدة. موقف منذ سنوات، لكننا ما زلنا نتخذ قرارات اليوم محاولين ألّا يتكرر.
نقول إننا تجاوزنا لأن الحدث لم يعد موجودًا أمامنا، بينما الحقيقة أن أجزاء منا ما زالت تشير إليه. (:
ربما لهذا السبب تعود بعض الذكريات في أوقات تبدو غير منطقية.. أغنية، رائحة، طريقة معينة في النظر إلينا.
وفجأة، نجد أنفسنا أمام شعور ظننا أننا تركناه منذ سنوات.. ربما لم يعد الحدث موجودًا فعلاً لكن الريفرينس؟ له رأي آخر.
وهنا يصبح الفرق بين النسيان والتحرر أكثر وضوحًا.. النسيان هو ألّا نستدعي الشيء باستمرار. أما التحرر فقد يكون أن نتوقف عن بناء حاضرنا حوله.
الهدف ليس أن نمحو الذاكرة، ولا أن نتعامل مع كل تجربة مؤلمة باعتبارها شيئًا يجب حذفه. بعض الأشياء التي آلمتنا صنعت جزءًا من فهمنا لأنفسنا والعالم، وبعض الندوب لا تحتاج إلى الاختفاء كي نتعافى منها.
ربما كل ما نحتاجه هو أن نراجع الريفرينس!
أن نسأل أنفسنا من وقت لآخر:
هل ما زلت أختار هذا لأنني أريده فعلًا، أم لأن شيئًا قديمًا ما زال يشير إليه؟
هل أنا أتجنب هذا الشخص لأنه غير مناسب لي، أم لأن شخصًا آخر منذ سنوات علّمني أن القرب خطر؟
هل هذا صوتي فعلًا، أم أنني فقط حفظت صوت أحدهم جيدًا إلى درجة أنني أصبحت أسمعه بصوتي؟
يمكن ده وقت مناسب إنك تراجع فيه الريفرينس اللي لسه شغال في خلفية البرنامج بتاعك، لأن أحيانًا المشكلة مش في اللي حصل..
المشكلة في المساحة اللي لسه واخدها جوانا.