⁠العاشرة مساءً
١٠٨١ كلمة

هلموند، هولندا:

لا أذكر عدد ”البيوت“ التي سكنتها في حياتي، سكنت بلادًا كثيرة، وانتقلت مرارًا بين المدن والأحياء. كان انتقالي الأخير صعبًا وثقيلًا، في هولندا، من مدينة لا امتداد لي فيها ولا جذور، إلى مدينة لا امتداد لي فيها ولا جذور، أسرة صغيرة تنقل الأثاث، تحمل الأمتعة وترتب الفوضى.

أتذكر زواجي، سكن جديد، وأمتعة، وامتداد: أهلي وحبايبي، من بين أكوام المهام كنت أصنع الشاي، وأتفقد الأمور: ”شغل عالي براڤو عليكوا“.

أقف أمام الصناديق والفوضى التي عليّ تحويلها إلى بيت، وحدي، وأتذكر يومي الأخير في القاهرة، يخبرني أصدقائي: ”من خرج من داره، اتقل مقداره“.

هذه حكمة رائعة لو: ١- كان للإنسان دار، ٢- كان الدار يحمي من قلة المقدار. هل كانت القاهرة داري؟ أسمع كثيرًا: ”انتي من مصر؟ منين؟ من القاهرة؟“ تختزل القاهرة مصر في عينَي الغريب، لكن هل تمنح المصريين كلهم دارًا؟

القاهرة، مصر:

سكنت القاهرة ست سنوات، أعود وأزورها بعد غياب، وأحظى بأحضان دافئة من أحبتي، الطيب الصالح دقيق في وصف هذه اللحظة: ”كأني مقرور طلعت عليه الشمس.“ أقابل دائرتي الآمنة وصداقاتي المقربة، يكررون سؤالًا معتادًا يثير الضحك والغرابة: ”فيه عنصرية بقى في هولندا؟“

عنصرية؟ يحدث طبعًا، يقول أحدهم كلمة قبيحة، يخفي وجهه، ويمر مسرعًا.

أذكر من كان قبيحًا بوجه مكشوف: أمين شرطة يشاركني اللغة والسمرة، وشمس أغسطس وطوابير المصالح الحكومية، قرأ في بطاقتي: ”المنيا“:

”وبتعملي إيه هنا لما انتي من المنيا؟“

بصق على الأرض أمام قدميَّ مباشرة.

عنصرية؟ سألتني الموظفة من أين أنت؟ قلت: ”مصر“، خفضت صوتها: ”وكأني مهتمة انتي منين“.

في مكتب حكوميّ في القاهرة، بطاقتي الشخصية توفر تسلية للمكتب كله، لم يخفضوا أصواتهم:

”بتشتغلي هنا؟ بتشتغلي إيه بقى مش بتبقوا بوابين هههههه“ ”لا في صعايدة كتير شاطرين، الولد في الورشة اللي جنبي ميكانيكي ممتاز ههه“

يعتبر بورديو أن ”العنف الرمزيّ“ هو عنف ناعم من المهيمن نحو المهمَّش، عنف يعيد إنتاج النظام الاجتماعي عبر وسائط مثل النكات، يضحك المهمَّش -وإلا فهو سخيف ويفتقد لروح الفكاهة- ثم يتكيف مع موقعه من العالم.

أتخيل أن كل فرد في المكتب إنسان لطيف بين أهله وعائلته، مهمَّش، ضئيل وخائف في سياقات أخرى. القاهرة تبدو لي كمكان يهمِّش الجميع -ماعدا تقريبًا تلاتين واحد كدة- رأيت في القاهرة من يراودهم قلق المكانة وألم الهامش، ثم يحتكرونه، فيصبح ألم الصعيدي وقلقه -أو أي مهمَّش آخر- ترفًا ”مش وقته“.

أتذكر بائعَين تحدثا أمامي عن الهجرة، أحدهما يرعى والدة مريضة ويوفر نفقات إخوته، كان ليخوض مغامرة القارب والمحيط لو لم يكن عائلهم الوحيد: ”أصل هتقعد هنا يتداس عليك وخلاص“، على هامش الثروة والكرامة، كان يختبر القاهرة كمدينة متوحشة مثلي.

آلمتني التفاصيل، أوشكت على مشاركتهما الأفكار والتجربة، ثم لاحظت أنني اكتسبت بعض الحكمة: ”ممم سيتذكران نكتة رائعة عن الصعيد، ويشعران بالإهانة إذا لم أضحك“، احتفظت بصمتي وقلقي.

سؤال العنصريّة ليس الوحيد الذي يثير الضحك والغرابة:

”لما تروحي المنيا بتلبسي عادي بردو ولا عندك اللي هي سودا وزي الملاية كدة؟“

لم أرتدِ ”اللي هي سودا وزي الملاية كدة“ في حياتي، لكنني أرى بوضوح هذه الملاية العملاقة التي تلف كثيرًا من أهل القاهرة تحتها، تعزلهم عن باقي المصريين، فتمتلئ رؤوسهم بأسئلة ونكات لا تتطور إلا في العزلة: ”بتبقوا بوابين“؟ حس فكاهي يخرج مباشرة من الكمكمة تحت الملاية.

هنا داري، ويقل مقداري.

يضحك الصعيدي ويرقص في أغاني الانتخابات الرديئة، يتوقف عن الرقص في دراما رمضان، لأن هناك ثأرًا مع قبيلة كبيرة، وصراع قديم على ميراث، يخوضه بلغة لا أفهمها، في بيوت تشبه بيت السحيمي. أبحث بين القنوات، أستقر، أردد دعاء بدء المسلسل: ”أعوذ بالله من فقر الخيال“، يبدأ الأبطال باجترار كل كليشيهات العالم، أتساءل كل مرة: ”إيه ده إيه المجتمع ده؟“

على نتفليكس، أرى أجزاء من نفسي عندما تتضمن الحكاية فتاة عربية في دولة غربية، ما يعني أن الكتّاب حاولوا على الأقل. وهي رفاهية لا يحتاجها صناع الدراما عن الصعايدة، هؤلاء سمعوا ما يكفي من النكات، تكفي لبناء درامي متماسك.

6 أكتوبر، مصر:

أوقف التاكسي، أخبره بوجهتي، يخبرني بأجرته: ”رايحة دار الطالبات؟ انتي منين بقى؟ المنيا؟ يعني خدتي مكان حد من هنا؟ ههههه“

نصل إلى دار الطالبات، يطلب ضعف الأجرة السابقة، أرفض، وأفتح باب السيارة. تظهر قبضة يده أمامي، وأجد نصف جسده العلويّ في المقعد الخلفيّ، يغلق باب السيارة بعنف، ويدفعني نحو الداخل، ثم تنطلق السيارة بسرعة هائلة: ”طب انتي مش مروحة، أنا مشغل العربية سبيل ولا إيه؟“

لا أجد قلبي في جسدي، أتجمد، تمر أعوام قبل أن أسمع صوتي: ”هديك المبلغ اللي تطلبه والله“، يستدير عائدًا: ”مالك خفتي كدة؟ معلش هزاري صعيدي ههههه“

أخرج من سيارته، أخطو خطوة ثم تفشل ساقاي في حمل وزني، هذا هو الخوف الذي يصيب بالشلل؟ كل خلية في جسدي ترتجف طويلًا لطرد الخوف، أو أجزاء منه. هؤلاء تحت الملاية العملاقة لا يعرفون أن مدينتهم متوحشة.

المنيا، مصر:

عدت إلى المنيا، مدينتي الصغيرة، تجولت بأمان، ونمت قريرة العين بجوار أمي. في اليوم التالي وجدت في منزلي ضيوفًا، بعض أقاربي وأطفالهم، لم أعرفهم، ولم يعرفوني. استقبلتني المنيا حين عدت، منحتني الأمان، والضحك، والسمر حتى الصباح، لكنها لم تعد تعرفني.

أيندهوفن، هولندا:

يقنعني زميل لي أن ”البشر“ كتلة تتقدم إلى الأمام، كلنا يجب أن ننتمي فقط للإنسانية، نراكم العلم والتجربة سوا، نلعب اخوات، وننهي كل معاناة مع يعض. هو حاصل على درجات علمية مرموقة، لكنه يبدو لي كرجل لا يعرف العالم خارج المعمل.

أسأله هل تكون المعاناة في مكان ما شرط الرفاه في مكان آخر؟ هل ما تراكم ”له“، تراكم ”على“ شعوب أخرى؟ لم يعجبه سؤالي: هناك معاناة موجودة ”بالصدفة“ بالتزامن مع السعادة في مكان آخر. أتذكر السائق الذي أوصلني لعملي: ”ولا يوم من أيام بغداد، من چانت بعد بغداد“، ”بالصدفة“ لم تعد بغداد موجودة.

أشعر بألفة مع كل سائق يتحدث العربية، كل اللهجات العربية مقربة إلى قلبي، آنس باللغة المشتركة واختيارات الأغاني، بينما نقطع المسافة بين غربتين.

السائقون بلا تراكم ولا شهادات، لكنهم يعرفون العالم خارج المعمل.

أسأل كل سائق: منذ متى تعيش في هولندا؟ معظمهم هنا سنوات تفوق عمري: ”هل هولندا وطنك؟

”تمزحين؟ أنا أرتب عودتي وأولادي إلى كينيا، كم بكيت هنا لأني أسود، بلدي فيها صعاب، سأتعايش معاها بين ناسي.“ ”وطني كيف يعني؟ هولندا جميلة لكن أنا سوري.“

لندن، المملكة المتحدة:

أقابل عائلتي لأول مرة منذ سنوات، نتناسى برد لندن وضبابها، ويمتلئ قلبي بالدفء رغمًا عن المدينة الرمادية.

اندلعت لاحقًا موجة احتجاج هائلة ضد المهاجرين، تجمهرت أعداد غاضبة في الشارع الذي أقمت فيه، يشعل المحتجون إطارات السيارات، وينطلق دخان كثيف وهائل. الدخان خارج النافذة، الشعارات الغاضبة، اصطفاف الشرطة، وسيارات الإسعاف، كل هذا الرعب يخبرني بوضوح:

”هذه ليست دارك“.

بقينا في المنزل، أغلقنا النوافذ، وأسدلنا الستائر، خشية أن يشي الزجاج بلون بشرتنا، لم نخرج حتى لشراء حاجاتنا البسيطة.

حيث لا يعرفني أحد:

قرأت رحلات ابن بطوطة مرتين، مرة بين أحبتي ومرة بعيدًا عنهم. وصلت إلى قوله: ”ولم يسلم عليّ أحد، لعدم معرفة أحد بي، فوجدت في ذلك في النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة“.

في المرة الأولى التي قرأت هذا ضحكت: ”ما انت بتلف العالم طيب“، في المرة الثانية، بكيت مثله.

شارك هذا الـمقال