”ساعة القَدَر يعمى البَصَر“
جهزتُ أمتعتي مساء اليوم الذي يتعيّن عليّ فيه السفر بعدما اشتريت تذكرة القطار قبلها بيومين احتياطًا، القطار أسهل من المواصلات بالتأكيد وأخف حرًّا، وأريد أن أضمن الوصول مبكرًا لأستعد للمذاكرة، فليس بيني وبين امتحانات كلية الطب سوى ثلاثة أيام.
استيقظتُ مُبكرًا، تجهزت، سمعت كلمة جدتي للمرة الألف التي تؤكد عليّ فيها أن انتظار القطار أفضل من أن ينتظرني القطار…
لا شيء جديد فهذا أصبح عادتي، لا شيء متكلّف، لا شيء مريب…
الساعة الواحدة ظهرًا، الجو حار، وشيءٌ في صدري عَلِق، لكن لا بأس، ربما هي الحالة التي عادةً ما تنتابني حين أخرج من البيت لأقابل أصوات الناس المتداخلة وكلاكسات العربات، وصفّارات القطار المزعجة والمخيفة، والكثير والكثير من الدخان والأتربة.
وانزعاج محتمل مما يمكنُ أن أراه وأسمعه، ومِن الوقت، ومِمّن قُدرَ لك أن تجلس إلى جانبهم…
لا يُخفف عسرة السفر سوى مسبحةٍ إلكترونية، ودعاء ”اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفةُ في الأهل“، الذي حفظته ولم أفهمه، ثم فهمته وطلبته بكل ذرةٍ في قلبي فصار ونيسي ومُعتَمَدي..
انتظرتُ القطار على المقاعد المخصصة للانتظار لأن غرفة السيدات حارّة وبها رجل بلا مأوى ينام على الكراسي، ها هو الوقت يمرّ، يبدو أن القطار سيتأخر، فلم يأتِ الذي يسبقهُ حتى الآن.
بدأت الناس تختلف هل أتى أم لا؟ هل القطار القادم هو رقم ١٠٠٩ أم ٩٠٤، السيدات والرجال يحملون أطنانًا من الشنط المصنوعة من القماش، والناس تكثُر…
يخترق هذه الفوضى صوت مذياع القطار، والذي يبدو دومًا كصوتِ إنذارات إخلاء ما قبل الحرب، عساه يكسِر هذه الفوضى التي صارت بين الناس
”القطار القادم، قطار *^٪^@$ رصيف ^٪^# والقادم من الإسكندرية والمتوجه إلى القاهرة على وشك الوصول“
لا أحد سمع ما يقول، فمن عادته أن يأتي عند الكلام المهم فلا يقدر على تمييزه أحد، لا أدري هل يقصدُ أن يلصق فمه في الميكروفون في كل مرة أم أنه عيبٌ في الميكروفون…
لكن الفوضى مستمرة، والآراء بين هذا وذاك…
ها قد أتى صوت القطار من بعيد، لا أحد يدري ما هو، لا يبدو كقطار الدرجة الثانية، ولا يبدو كالقطار العادي، الناس تخرج كثيرًا جدًا، ويدخل عددٌ أكبر دون أن ينتظروا نزول الناس من القطار، لا بد أنه القطار العادي.
هل أركب؟ قد مرت ساعتان على ميعاده المحدد، هل من أحدٍ أسأله لأتأكد؟ أذهب لعربة رقم ثمانية فأجدُ حشودًا لا أرى فيها أحدًا يُنَظِّم الدخول لأسأله، أذهب لعربة سبعة فأجدُ الناس أكثر.
وبين فوضى الناس وترددي، يظهر هذا الشخص الذي لا يرتدي شيئًا مميزًا لكن يبدو أنه يعرف، من اتكائه على باب العربة رقم سبعة يبدو أنه يعرف، لأسأله عن رقم القطار، وفي هذه اللحظة تمامًا يتحرك القطار، ليخبرني عن رقمه وهو يتحرك، وللتو أُدرك أنه هو القطار الذي تجهزتُ له.
صوت الصفارات يدوي، تزداد سرعة عجلات القطار، والرجل يعرض عليّ رمي الشنطة في واحدة من أكثر اللحظات العبثية التي مررت بها… لأتحرك محاولةً اللحاق به بخطوتين مسرعتين كأنّي آملُ أن يقِف، عليه أن يقف، أو ربما… عليّ أنا.
أقفُ أنا، ناظرةً إلى القطار يمضي، وإلى المحطة تفرغُ من الناس، وإلى الوقت يمضي، وإلى التذكرة في يدي، كرسي سبعة وأربعين، عربة رقم سبعة…
أجلسُ على مقعد الانتظار، تتكاثر علامات التعجب في رأسي، لم أسمع من قبل عن فوات قطارٍ كنتُ بالفعلِ أنتظره، هل هذا خطئي؟ هل تأخرت في اتخاذ القرار؟ وهل أفادني الحذر؟ وهل كان ممكنًا أن أركب أي قطارٍ قادم؟! هل أعود إلى بيتي وغرفتي؟!
ألملم شتاتي فأقول لعله خير، ليس مكتوبًا، ليس مُقدّرًا، أفكر في أخذ مواصلات أخرى، وبالفعل فعلت، كان من المفترض أن أكون على وشك الوصول الآن، لا أفكرُ سوى في الوصول، لا خيار آخر.
سافرت وشيءٌ عالقٌ في ذهني، وهذه القشة هيّجت السؤال الكامن في صدري عن ساعةٍ يديرُ فيها القَدَر الدفّة بقوةٍ مباغتة في اتجاهٍ آخر، أو ساعةٍ لا ترى وأنت بَصَرُكَ حديد!
فاللهم، البصر والبصيرة، الهدى ثم السداد!