أهلًا ومرحبًا..
معكم احتياج بن الصمت الطويل، وقد يعرفني البعض بـ ” مش قادر لوحدي“ بينما البعض الآخر يُصر على إنكاري تمامًا، رغم أننا نقضي معظم حياتنا معًا.
أتناول الشاي دون سكر ليس لأنني أحب المرارة، بل لأن الحياة تتكفل بالباقي.
وُلدت يوم اكتشف الإنسان أن “ إيد لوحدها متصقفش“ وأن القلب مهما ادّعى الصلابة فإنه لا يستطيع أن يربت على نفسه إلى الأبد.
أعيش في المسافة الصغيرة بين “ أنا بخير“ والحقيقة التي لا تقال بعدها أبدًا، هناك تحديدًا أجدني عندما يتعب الناس من التظاهر.
أعمل في مهنة لا يعترف بها أحد، فأنا مرمم للمسافات. كل صباح أتلقى شحنات من قلوب متشققة وأخرى أصابها الصدأ، والأرواح التي نسيت طريقها إلى الآخرين.
أمتلك مكتبًا صغيرًا في آخر شارع الكبرياء، لا يملك لافتة ظاهرة لأن أغلب زواره قد ضلوا الطريق وهم يبحثون عنه. فوق مكتبي تتراكم الرسائل التي كُتِبَت ثم مُزِقَت، والمكالمات التي لم يجرؤ أصحابها على إتمامها، والدموع التي عادت إلى أصحابها خوفًا أن يراها أحد.
في حقيبتي أحتفظ بمرآة صغيرة لا تعكس الوجوه وإنما تظهر الفراغ الذي نحاول إخفاءه عن الجميع وبجوارها مفتاح صدئ لا يفتح سوى الأبواب التي أغلقت بسبب جملة “ أنا مش محتاج حد“.
لدي عادةٌ قد يراها البعض غريبة، أجمع الأشياء غير المرئية. احتفظ بابتسامة التوت على أحد جانبي الفم وقد أُجبِرت على الظهور، وأصوات انكسرت قبل أن تخرج عند محو رسالة قد كتبت ”امسح افتكر اني قولتلك بلاش“ لأنني أعرف أن أكثر المشاعر صدقًا هي تلك التي لم نجد الشجاعة لنخرجها يومًا.
يعاملني الناس معاملة متناقضة. يبحثون عني بعد منتصف الليل ثم ينكرون وجودي مع أول ضوء للنهار مرددين ”ده طلع في نهار طب أنا ليه بنهار!“
يفتحون قلوبهم لي عندما تثقلهم الحياة، ثم يغلقونها بمجرد أن تستعيد أرواحهم ”شعرة“ توازن.
ولأن الكمال غاية لا تُدرك، فأنا لدي بعض العيوب المهنية، فأظهر أحيانًا في هيئة دمعة وأحيانًا صورة صمت طويل وأخرى في صوت ضحكة عالية جدًا عن المعتاد.
لا أجيد التنكر لكن البشر بارعون جدًا في تجاهلي.
أما أعدائي فهم كثر، أكثرهم شراسةً هو السيد كبرياء بن اكتفاء وقد درس في مدارس “ شطّبنا“ التابعة لـ“ كان فيه وخلص“ رجل أنيق للغاية دائمًا ما يضع ربطة عنق ويرتدي ثيابًا من الثقة الزائدة، ويهمس للناس “ لا تبدو ضعيفًا، لا تطلب“ وقد تسبب في خسارة حيوات كثيرة.
أعترف أنني ”حساس“ وأكثر ما يخيفني ليست الوحدة في حد ذاتها بل الإنسان الذي أعتاد حمل العالم فوق كتفيه أن ينسى أنَّ من حقه أن يطلب من أحد أن يحمل عنه بضعة أشياء.
أحتفظ في الدرج السفلي من مكتبي بصندوقٍ خشبي بداخله كل كلمة “ أحتاجك“ لم تقل وكل حضنٍ تأخر ليصبح سيلًا من الدمع، وكل رسالةٍ بدأت بـ“ معلش هزعجك“ ثم حُذفت قبل إرسالها. أحتفظ بها لأتذكر كم من روحٍ خسرت معاركها لأنها ظنت أن الاحتياج عيب.
وقد يتساءل البعض..
ماذا أفعل طوال الوقت؟
الحقيقة أنني لا أبحث عن الضعفاء الثكالى كما يتهمني البعض بل أبحث عن البشر تحديدًا عن قلوب البشر، فمن البداية لم يُخلق أحد مكتملًا فالكلمات تريد من يسمعها والبيوت تريد من يسكنها حتى القلوب تريد من يربت عليها والنجاة تحتاج ليد تمتد في اللحظة المناسبة.
لدي صديقٌ وفيٌّ اسمه ”احتواء“ قطةٌ بيضاء اللون كسولة تنام فوق الرسائل القديمة وتوقظني كلما سمعت تنهيدة لم ينتبه إليها أحد.
وأحيانًا يراودني سؤال ماذا لو اختفيت؟
ربما سيظل الناس يبتسمون مرددين أنهم بخير ويواصلون الركض في ماراثون الحياة كعادتهم، لكني أعرف أن العالم سيصبح أكثر صخبًا وأقل دفئًا لأن الأشياء الجميلة لا تكتمل إلا بالاحتياج كاحتياج الطفل لأمه واحتياجها له عند كبرها، والصديق لصديقه والإنسان لإنسان يشبهه ليشاركه رحلة الحياة.
ولذلك كلما لمحت شبح ابتسامة مع جملة “ أنا بخير“ أنتظر بجانب صاحبها لأنه لا ينكرني كثيرًا فقط يريد أن أطرق بابه برفق.
وأخيرًا إذا مررتَ بمكتبي لا تعتذر عن احتياجك فالأنهار تحتاج للمطر والأرض تحتاج للسماء والليل يحتاج للقمر ليُرى والإنسان يحتاج لشبيهه أكثر مما نعترف.
إلى أن نلتقي مرةً أخرى وداعًا..
أو ربما إلى لقاءٍ أقل ثقلًا.