الثانية ظهرًا
٤٠٨ كلمة

لا أعرف كيف تبدو الحياة بدون قلق. ولا أتذكر أنني عرفت يومًا.

تفصيلة صغيرة لم تلتقطها عيني. هذا كل ما حدث. وبعدها قضيت اليوم كله أعتذر.
رسالة صوتية هنا، ورسالة مكتوبة هناك، واعتذار لكل شخص يمر أمامي. كنت أفكر في شيء واحد فقط:

كيف لم أنتبه؟

ارتكبت خطأً صغيرًا جعلني أنا وزملائي نعيد تنفيذ مهمة مرة أخرى. وهو أمر يحدث لأي إنسان، لكنني لا أتعامل معه كأنه خطأ بشري عادي.

أتعامل معه وكأنني خنت الثقة التي منحها لي الجميع.

المفارقة أن أساس وظيفتي هو أن أجيد الانتباه للتفاصيل، ثم جاء الخطأ نفسه من تفصيلة صغيرة.

ومن هنا جاء السؤال:

كيف تبدو الحياة بدون قلق؟

أدعو الله كل يوم أن يرزقني السلام والطمأنينة، لكنني لا أعرف أصلًا كيف يبدو هذا الشعور.

أستطيع أن أتخيل عصافيرَ تغرد، وسماءً صافية، وهواءً يلامس شعري، لكنني لا أستطيع أن أتخيل ما الذي يشعر به الإنسان من الداخل عندما يكون مطمئنًا.

ربما لأنني لم أعرف هذا الشعور يومًا.

القلق بالنسبة لي ليس ضيفًا يزورني أحيانًا، بل صديق وفي. يستيقظ معي، ويجلس إلى جواري في العمل، ويرافقني إلى النوم.

أستيقظ أحيانًا من كابوس، ثم أقلق من اجتماع الغد، ومن ازدحام الطريق، ومن تأخري عن المواعيد، ومن مستقبل يبعد عشرين عامًا، ومن شغف لم أصل إليه بعد.

القلق لا يأتيني كضربة واحدة، هو خبيث ويتسرب إلى جسدي في جرعات صغيرة.

لهذا لا أستطيع أن أصف الراحة. سيكون الأمر أشبه بأن تطلب من كفيف أن يصف لك الألوان.

كيف يصف شيئًا لم يختبره قط؟

أتذكر أول نوبة هلع أصابتني.

كنت على شاطئ البحر في مدينة دهب، وسط أصدقائي، نسبح ونغني ونأكل ونحكي.

لا يوجد سبب منطقي للقلق أو الخوف، ومع ذلك شعرت بأن أطرافي تتجمد وأن الهواء أصبح أقل من أن يكفيني.

كان أصدقائي يحاولون مساعدتي؛ أحدهم يرش الماء على وجهي، وأخرى تدلك يدي، وثالثة تمسكني حتى لا أسقط.

الغريب أنني عرفت فورًا ما الذي يحدث.. كأن عقلي قال لي بهدوء:

هذه نوبة هلع.

منذ ذلك اليوم أدركت أن عدوي الحقيقي يسكن داخلي، وأفكاري تستطيع في لحظة واحدة أن تحول يومًا جميلًا على البحر إلى معركة من أجل التنفس.

في إحدى المرات حين وصف لي الطبيب النفسي دواءً يهدّئ الأصوات في رأسي، تحمست جدًا ولكن ما وجدته هو شعور التبلد فلا أنا سعيدة ولا حزينة.. فقط أحيا بدون أي مشاعر.

لذلك، إذا سألتني كيف تبدو الحياة بدون قلق، فلن أعرف الإجابة.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

أنني ما زلت أبحث عنها، وأدعو الله كل يوم أن أصل إليها، ولو يومًا واحدًا، لأعرف أخيرًا كيف يشعر الناس عندما يهدأ كل هذا الضجيج داخل رؤوسهم.

شارك