كلما قرأت نصوصاً وقصصاً لأمي، عصفت بي مجموعةٌ من المشاعر اللاذعة. ليس لأن سطورها مكتوبة برهفٍ وثير، أو لأن تشبيهاتها تستوقفك بوجوم، بل لأنني عندما أقرأ سطورها، أصنفها لا إرادياً بين تلك التي أعتقد أنها من وحي الخيال، وتلك المستلهمة من الواقع، وإن كان بعضها سرداً كاملاً له.
ولأن تلك في المجموعة الثانية، تذكرني بأن أمي كانت يوماً ما في عمري، وأنها تكشف الآن الستار عن مشاعر حبيسة لم تعبر عنها بطريقة أخرى، وعن أشياء وتفاصيل لم أعرفها قط، ولن أجرؤ على السؤال عنها، أتأثر كثيراً.
كلما قرأت سطورها عن والدها، وعن الحسرة على ضياع فرص التعبير عن الود، وتقاسم المزيد من الوقت، كلما شعرت بالعار. لا زلت أحظى بهذه الفرصة، وعاماً بعد عام لا زال شيءٌ ما يقيدني عنها.
أحياناً، وفي مواقف نقلّبها أنا وأختي، أعيد عليها نفس الجملة:
What’s wrong with us?
هل لأننا تربينا على بلع المشاعر هرباً من العيب؟ أو لأننا جميعاً مرهفو الحس لأفظع الدرجات، فدربتنا الحياة على افتعال رباطة الجأش حتى أصبحنا عاجزين عن التعبير عن الحب إلا بالخدمة؟
علمتني أمي أشياء عظيمة؛ الإقبال على الحياة، استثمار الرخص، العطف على الذات. ولعل أجمل عطاياها كان أن علمتني أن الكتابة لسان ومنفذ وملاذ. أن غصةً مدفونةً، يمكن أن تُفرّغ سطراً على ورق. وأن حلماً قد يبدو مستحيلاً، قد يبدو أقرب في قصيدة.
علمتني أمي أشياء كثيرة، لكنها لم تعلمني كيف يمكن أن أقول لشخص أحبه ذلك. حاولت بعدما كبرنا وتزوجنا، إلا أن وقع كلماتها كان غريباً مريباً، فلا زلت أفضل أن تسألني إن كنت قد أكلت، أو أن تُقشّر لي برتقالة.
أخاف أن تموت أمي دون أن تعرف أنني أحبها قبل كل شيء..
وبعد كل شيء..
ورغم كل شيء..
وأكثر من أي شيء.
وأخاف أن يموت أبي، ومجموع حواراتنا المطولة في العشرين سنة الماضية أعدها على أصابعي، خشية أن أقول شيئاً لا يرضيه..
وأخاف أن أموت أنا، جبانة،
وتبقى البقعة الفاتحة في سجادتي الخضراء وحدها -بعد الله- من تعرف كل شيء.