الثانية ظهرًا
٤٤٨ كلمة

عزيزي..

أشعر منذ فترة أنني أعاني من الفقد. لا أعرف المعنى الكامل لهذه الكلمة، لكنني شعرت فجأةً أن هناك شيئًا فارغًا بداخلي.

تعلم ذلك الإحساس حين يكون الشباك مغلقًا بإحكام، ومع ذلك يتسلل منه خيط هواء بارد لا تعرف مصدره؟ كنت جالسة في أمان الله، وفجأة شعرت بذلك السرسوب. ومنذ تلك اللحظة وأنا أبحث عنه.

أذهب يمينًا، أذهب شمالًا، ولا أعرف من أين يأتي، رغم أن الشباك يبدو مثاليًا تمامًا؛ الخشب متماسك، الطلاء بلا خدش، والإغلاق محكم إلى درجة يستحيل معها أن يتسرب الهواء.

لهذا قررت أن أبدأ رحلة البحث عن هذا السرسوب. وكأي عامل ماهر، صرت أنظر إلى شباكي نظرة فاحصة؛ منذ كان مجرد خشب في جذع شجرة، وحبات رمل في الأرض، قبل أن تتحول الشجرة إلى خشب، وتتحول الرمال إلى زجاج.

أظنك الآن لا تفهم سبب كل هذا ”الفرك“. ربما ستنصحني أن أتحسس الزوايا بيدي، وحين أجد مصدر الهواء… أسده.

وأعرف أنها نصيحة مريحة، تأتي من شخص يكترث لأمري، لكن المشكلة أنني حتى لو سددته، سأظل أعرف أن هناك سرسوبًا كان هنا يومًا ما.

وحين ينظر أي شخص إلى هذا الشباك، سأكون أنا الوحيدة التي تعرف أنه ليس محكمًا كما يبدو.

لذلك، عدت بذاكرتي إلى طفولتي أمام هذا الشباك وتكوينه، وأخذت أتساءل:

بماذا أشعر حقًا؟

قلق، تعلق، فراغ… كل هذه المشاعر كانت تشير إلى شيء واحد فقط:

أنني أعاني من الفقد.

ولنعد مرة أخرى إلى السؤال الأصعب:

ماذا فقدت في هذا العمر؟

ومن الذي رحل وترك روحي خاوية إلى هذه الدرجة؟

حينها خطرت ببالي ذكرى قديمة. لا أعلم إن كانت هي السبب فعلًا أم لا، لكنني شعرت أنني ما زلت عالقة هناك؛ طفلة في السابعة من عمرها تودّع والدها المسافر للعمل في الخارج.

لا أعرف ماذا حدث بعد تلك اللحظة، لكن يبدو أن جزءًا مني لم يغادرها أبدًا. ما زلت أقف في نفس مكاني… لكن بسبعةٍ وعشرين عامًا هذه المرة.

لا أتذكر بوضوح كيف مرت السنوات، لكنني أعلم أن تلك الطفلة حاولت بكل ما تملك أن تصنع شباكًا جميلًا، متينًا، صالحًا للاستخدام البشري. كانت تهدمه أحيانًا دون أن تفهم لماذا، ثم تعود لتركيبه من جديد، وكأنها تحاول في كل مرة أن تصل إلى النسخة التي لن يتسرب منها الهواء.

وحين تعبت أخيرًا من الهدم وإعادة البناء، وقررت أن ترضى بالشباك كما هو، شعرت بذلك الهواء الذي تركه الفقد.

أصبحت أبحث عن الدفء طوال الوقت، وفي الوقت نفسه أهرب منه.

الفقد يفعل هذا أحيانًا؛ يجعل الإنسان يطلب الحب بطريقة غير مباشرة، لأنه يخشى إن طلبه بصراحة… ألا يجده.

لكنني لا أفتقد ما حدث فعلًا، بل أفتقد ما كان يمكن أن يحدث… ولن يحدث أبدًا.

ومع ذلك، أنا لا ألومه، ولا أراه مخطئًا. فهذه هي ظروف الحياة، وهذا ما تفعله الدنيا أحيانًا بنا.

لكنني، رغم كل شيء، ما زلت أشعر أحيانًا ببردٍ شديد من ذلك السرسوب..

وأحيانًا أخرى بالاختناق من شدة إغلاق الشباك.

ولا أعرف كيف سينتهي الحال.

شارك