الثانية ظهرًا
٧٥٠ كلمة

أحنّ إلى ”سَمن“ أمّي.

كنا نجلس مجتمعين حول طاولة الغداء، وكانت رائحة العدس الساخن شهية ورائعة، ويا لها من وجبة مناسبة لأيام الشتاء، لكنني ميّزت بعد احتسائه مذاقًا دهنيًا كان متواريًا بخفة.

سألت أمي: ”هل حطيتي زيت في العدس؟“ أجابتني بالنفي، فأعدت السؤال من جديد، فأصرت على الإنكار، سألتها للمرة الثالثة، فأقسمت لي بأغلظ الأيمان أنها لم تفعل، صمتُّ وخجلتُ من تشكيكي بها، لأجدها تستدرك بما أثار ضحكاتنا: ”حطيت سمنة بس!“

أمي لا تضع السّمن ”عمّال على بطّال“ أو نكايةً بي لا غير، كما لا تضع أيّ مكوّن آخر عبثًا، فهي تدري كيف يضيف كل مكوّن نكهة خاصة تزيد الطّعم غنىً. وربما تكون هذه المهارة هي السرّ الغامض في طعام الأمهات، ولغة حبهنّ الخاصّة التي نستهين بها.

منذ فترة، هويتُ في إحدى حُفر الخوارزميات، وأوصلتني الحفرة إلى عالم الهيلثي لايف ستايل، وهو ما يقابل عالم الفود بلوجرز الذين يعومون في بحار من الدسم والقشطوطة والجوسي برجر.

جذبتني الألوان الزاهية لعصير البرتقال، والشكل المرتب لقطع الأفوكادو الخضراء، وطبق الدجاج المشوي الذي خرج لتوّه من الأيرفراير. لم أجد كل ذلك في قائمة طعام بيتنا، فالمرة الوحيدة التي دخلت فيها ثمرة الأفوكادو إلى منزلنا وجدناها قاسية بحيث لم نستطع تقطيعها.

أخيرًا وجدت ”تريندًا“ مفيدًا، وتحديًا مثيرًا، المشكلة هي أن تطبيقه صعب، إن لم يكن مستحيلًا، مع ”محشي“ أمي وبشاميلّها.

قررت أن أشرع في إعداد وجباتي بنفسي، لأتبنى بذلك نظامًا غذائيًا متوازنًا يضعني في مصافّ المهتمين بلياقتهم وصحتهم.

كتبت قائمة بأهمّ المقادير التي تفيدني بالالتزام في رحلتي الجديدة؛ لحم مفروم قليل الدهن، صدور دجاج منزوعة الجلد، فلفل أخضر وأحمر وأصفر، والكثير من علب الزبادي اليوناني اللايت ومشروبات البروتين قليلة السكر. طلبتُ أيضًا علبًا لحفظ الطعام، زجاجية بالطبع وليست بلاستيكية، لأنني، كما قلت، صحية جدًا، ثم بدأت في تجهيز الـ Meal prep الأسبوعي.

اعتمدت على نفسي من الألف للياء، وصمدت أمام الاختبار الأول؛ لم أضعف أمام أصناف أمي المنوعة من الأرز المعمر والباستا، وأطباقها المصممة خصيصًا لإفساد أي محاولة لاتباع نمط غذائي مختلف، في محاولة منها لردّي إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم.

إذًا، لن أعيش في عباءة أمي، قررت ألا أزعجها بطلباتي المتكررة بتوفير الزيت، وإلحاحي المتواصل لتقليل السمن، حتى وإن جادلتني بأنه سمن صحي.

لكنني صبيحة العيد، عشتُ تجربة مارسيل بروست حين تذوّق حلوى المادلين، فرحلت به إلى الطفولة، وزوّدته بطاقة كتب بها سبع مجلدات خالدة، بما يعادل مليون كلمة، بحث فيها عن الزمن المفقود.

لم أصمد أمام جلاش أمي، فقررتُ أن أتساهل بعض الشيء، عيد بقى!

تناولتُ قطعة جلاش ممتلئة عن آخرها باللحم، رفعتها إلى فمي، ومن القضمة الأولى عاد إليّ حنين جارف، يشبه ذاك الذي عاد إلى ناقد كرتون ”Ratatouille“ حين جرّب طبق الفأر الطباخ، وهمست لنفسي: ”احنا مكنّاش عايشين“.

أعلم أن هذا الجلاش تحديدًا ينافي مبادئ وأساسيات أي نمط حاولت تثبيته، لأنني رأيت أمي بأم عيني وهي تدهن السمن عن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، ورغم ذلك فقد كان من أشهى ما يكون منذ اختُرع الجلاش بمعجزةٍ ما.

بديهي أن طعام أمهاتنا ليس صحيًا مئة بالمئة، ومفهوم أن نمط حياتنا منذ طفولتنا كان ملائمًا على قدر ما وصل إليه العلم في ذلك الوقت، وقدر وسع الطاقة المادية والمعنوية. غير أن لمساتهنّ تسري في أرواحنا لا أبداننا وأعضائنا، شيء ما يستيقظ فجأة في أوردتك، ويجري في عروقك، حتى يصل إلى قلبك، فيهزّك بحبّ عنيف، كأنه يعيدك عودة التائه إلى حارته، وكأنه يذكّرك بمن تكون في صميمك.

قرأت لأحد المغتربين في ألمانيا أن والدته اتصلت به يوم العيد لتهنئته، فكان أول أسئلتها: ”أكلت؟“ فسر المغترب سؤالها بأن الأمهات يعتبرن الطعام حلًا رسميًا لكل مشكلات البشرية، ويعتقدن أنه يداوي الجروح والأحزان.

لكنني استغربتُ تفسيره، لأن الأمهات يتشابهن في اهتمامهنّ بإطعام أبنائهنّ، مهما تقدم بهم العُمر، كأنها مسؤوليتهنّ الخاصة، وبذلك يلفهنّ الاطمئنان عليهم إذا ما شبعوا وارتووا، وهو ما قد يشرح استهجان الآباء لاكتئاب أولادهم في نفس اليوم الذي تناولوا فيه ”الفراخ“.

ولفترة طويلة، امتنعت أمي عن إعداد أطباق معينة يحبها أخي بعد سفره، كأنها بذلك تعلن حزنها لفراقه، لأنها لم تعد تستطيع التعبير عن حبها بلغتها كما اعتادت أن تفعل.

قطعة الجلاش الصغيرة هذه، التي أكلتها بعد حرمان فرضته على نفسي، أسكتت صوت تأنيب الضمير الذي كان يراودني كلما جرّبت طعام أمي.

حلّ مكانه صوت الامتنان والفرح لأنني ما زال بإمكاني أن أعيش الشعور نفسه بقربها في أي وقت أريد استحضاره، ولو من حين إلى آخر، دون أن أحرم نفسي منه تمامًا، وإن تأثرت قليلًا بهَوس الإنفلوسرز الرياضيين والڤلوجرز الصحيين، وإن قررت الخوارزميات تشويه علاقتي بالطعام، وشيطنة وصفات الأمهات، والتفكير ألف مرة قبل قضم قطعة الجلاش.

حتى أفخم المطاعم الفاخرة لا تستطيع أن تسلبنا، بوجباتها الباردة، لذّة أطباق عائلاتنا، وحتى ألذّ طعام صحي لا يمكن أبدًا أن يحلّ محلّ السّمن الحيواني البلدي الذي يحتلّ رأس كلّ وصفات أمي، لأنه صحيّ، حقيقةً لا مجازًا، ولكن بطريقتها الخاصة.

شارك