
شاهدتُ تلك السيدة اليوم تصنع ضفيرة لصغيرتها في خضم المواصلات العامة، ظللتُ أتابع حركات أصابعها وتداخلها وهي تصنع أربع ضفائر للصغيرة المرتدية الفستان الملون، جعلني هذا المشهد أتذكر أن أمي لم تصنع لي ضفيرة من قبل.
أخبرتني أمي قديمًا أني أمتلك شعرًا جميلًا؛ وهذا ما ظللتُ أردده لنفسي كثيرًا في ليالي الاكتئاب العنيفة ليعطيني دفعة بسيطة للنهوض، ظنًا مني أني لن أحتاج مجهودًا كبيرًا لترتيب شعري ونفسي قبل الخروج لمحاربة العالم. لا أعلم أن كانت تخبرني بهذا لأنها لم تكن جيدة في صنع الضفائر أم لأنها اعتقدت بالفعل أن شعري لا يحتاج إلى ضفيرة!
ظلت الضفيرة معيارًا لكثير من المشاعر والأفكار، كانت مقياس الصداقة والحب.
صديقاتي المقربات فقط هن من لهن الحق في تجديل شعري وصنع ضفائر وكيف كن يتعاملن مع شعري ”الناعم“ لصنع ضفيرة محكمة ومرتبة، فهذا يعني أنهن صديقات يعرفن كيف يتعاملن معي. وكانت أيضًا مقياسًا لمعرفة الفتيات المحبوبات من أمهاتهن.
فصنع ضفيرة هو فعل حميمي جدًا ينم عن مشاعر تحمل من الحب الكثير ليفيض ويتداخل في خصلات الشعر ليصنع أشكالًا جمالية قد تقارن بجمال الأعمال الفنية المرسومة والمنحوتة.
لم أتخيل أن شيئًا بسيطًا كالضفيرة يثير بداخلي كل هذه المشاعر أو يشعرني بغصة وفقد طفولي نشأ وتضافر في قلبي لصنع صفات وأفكار حاولتُ تفسيرها وشرحها في جلسات العلاج النفسي.
على أي حال؛ في سن العشرين تعلمتُ أن أصنع لنفسي ضفيرة كما تعلمتُ الكثير دون أمي.
من ذلك الحين وظلت عيناي واسعتين على الدنيا؛ دربتُ عقلي أن يراقب التصرفات والأفعال، أتعلم أني أحمل في مخي دفتر ملاحظات لتدوين كل ما أردتُ أن أتعلمه دون أمي، حتى الحب!
أعتقد أنني تعلمتُ الكثير بشكل فردي تمامًا ولكن ما زال بداخلي أني أردت ضفيرة، وأردت حبًا وأردت عالمًا أستطيع أكون فيه مجرد طفلة.