”حاسة إنه مش بيحبني.. مفيش أكشن، فاهمة؟“
قالتها لي صديقة وهي تضحك بتوتّر، تحاول التراجع عن كلماتها شوية وتحاول تبرر شوية، كان الرجل (بحسب وصفها) لطيفًا، حاضرًا، واضحًا، لا يختفي ولا يعاقب بالصمت، يعتذر حين يخطئ، ويسأل قبل أن يفسّر.
رجل ”رائع“ بكل المقاييس العملية. ومع ذلك، كانت تشعر بالفراغ. كأن الهدوء نقصٌ في الحب، وكأن الطمأنينة نقيض الرومانسية.
هناك سوء فهم واسع بين ”الإثارة“ و”الحب“.
نخلط بين خفقان القلب الناتج عن الخوف أو الشك، وبين الخفقان الذي يولّده القرب الحميمي. نخلط بين صوت الإنذار وصوت السكينة.
في العلاقات التوكسيك ”الإثارة“ ليست حرارة حب أعلى، بل هي في كثير من الأحيان قلقٌ متصاعد يغذّيه الغموض والتلاعب والتقارب ثم الانسحاب.
وهو ما أحب أن أسميه ”جدول المكافآت المتقطع“: رسالة فجائية بعد غياب، دفءٌ بعد برودٍ مُتعمد، نظرة حانية وسط بحر من اللوم.
هذه الجرعات غير المتوقّعة تزيد الترقّب وتخدّر الألم، فتبدو المشاعر أعلى وأكثر ”درامية“، لكنها في الحقيقة تُشبه سلوك الإدمان.
والحقيقة العلمية أن الحب في ذاته إدمانًا كما تقول العالِمة هيلين فيشر:
”الحب الرومانسي إدمان: إدمانٌ رائع حين تسير الأمور جيدًا، ومريعٌ حين تسير الأمور على نحو سيّئ.“
وهو نوع الإدمان الوحيد الذي يتطلب من معطيه ومتلقيه كلاهما ضبطه وليس تفاديه، وفي حالة الحب السام لا يمكن أن تكون الإثارة شعورًا ناضجًا، بل جوعًا يتلقى الفتات فيظنه وليمة.
وتضفي الثقافة طبقة من الطلاء اللامع: حكاياتٌ تروّج للغيرة قوةً، وللندرة قيمةً، وللمطاردة برهانًا على الجاذبية.
نتربّى على صورٍ تُقدِّم التقلّب دليلًا على العمق، وتخلط القسوة بالهيبة، وتُسمّي الاختفاء ”اشتياقًا“.
ومع الوقت، نرى الضباب سحرًا، ونحسب القلق شغفًا.
لكن ما يلمع تحت ضوء الخوف ليس حبًّا أكبر؛ إنما جهازٌ عصبيٌّ مستنفرٌ يتلقّى جرعاتٍ متقطعة من الطمأنة.والحقيقة أنّ الرومانسية التي تستحق اسمها لا تحتاج إلى صدمة كي تُحَسّ، بل إلى وضوح ومساحة لعب واكتشاف وفضول.
ندخل ونخرج من علاقات على مدار حياتنا بجهل تام عن أنماط تعلّقنا، وبالتالي نفسِّر الإثارة أو الهدوء تفسيرًا خاطئًا.
باختصار شديد، تُظهر أبحاث سو جونسون صاحبة كتاب (Love Sense: The Revolutionary New Science of Romantic Relationships وHold Me Tight) أن علاقتنا العاطفية تتلوَّن بثلاثة أنماط أساسية:
آمِن secure: يرتاح للقرب والوضوح؛ الخلاف عنده جسرٌ للفهم لا هاوية.
قَلِق anxious: يطارد الإشارات، يقرأ الصمت تهديدًا، ويطلب طمأنةً متكرِّرة.
تجنُّبي avoidant: يقلِّل من الاحتياج، يهرب عند الضغط، ويبدو ”هادئًا“ بينما يتجنَّب التعرّض للجرح.
في العلاقات السامّة، يتشابك القلِق مع التجنُّبي (وهو أكثر أنماط العلاقات شيوعًا) في حلقة شدّ وجذب:
انسحابٌ قصير يتبعه قربٌ مفاجئ = تعزيز متقطّع يصنع ”إثارة“ تشبه الإدمان.
في المقابل، الحبّ الصحي لا يفتقر إلى الإثارة؛ هو فقط لا يشتريها من دكّان الخوف. يملك نوعًا آخر من النبض: نبضًا منخفض التردّد لكنه عميق. بدلًا من الصعود الحاد والهبوط الصاعق، يمنحك منحنى طويلًا يمتلأ بالفضول والتأني والتفاهم،
وتتحوّل اللغة بينكما من لغة اختبارٍ وعقاب، إلى لغة رغبةٍ واعية: ماذا تحتاج؟ ما الذي يُطمئنك؟ أين نضع المسافة الذكية كي نشتاق دون أن نُهدَّد؟ الحبّ الصحي يحتاج خيالًا أكبر، لأنك لن تستند فيه إلى مفاجآت الألم، بل إلى اختراع مسرّاتٍ مقصودة.
”بس مفيش أكشن.“
أفهم. حين يهدأ الجسد بعد أشهرٍ من المطاردة، يبدأ العقل يتساءل: هل ذاب الحب؟ أحيانًا لا يذوب الحب بل يُشفَى الجهاز العصبي. بعد زمن من العلاقات المتأرجحة، يصبح الهدوء غريبًا، كأنك انتقلت من بيتٍ على الطريق الدائري إلى بيتٍ في كومباوند معزول. ستحتاج وقتًا لتفرّق بين هدوء الحياة وخمول المشاعر.
النقلة النوعية بين الحب السام والصحي هي في الإيمان التام بأن الهدوء ليس نقصَ حب، بل بنيةٌ لتطويره على أرضٍ آمنة.
”إذًا، كيف نعرف أن الصحة ليست مللًا مموّهًا؟“
نسأل: هل الأمان عندي يقتل الفضول أم يطلقه؟
إن كان الشريك الواضح يفتح فينا باب اللعب والتخطيط والتجريب، فهذه إثارةٌ مستدامة. وإن كان يغلق الأبواب، فهذه علاقة ساكنة، لا صحيّة. الفارق بين السكون والطمأنينة شاسع: السكون موتٌ بطيء، والطمأنينة أرضٌ لزرعٍ مُبهج.
الحبّ الصحي لا يطلب منك أن تكمّم الشغف، بل أن تربّيه. الشغف طفلٌ لا ينمو في بيتٍ يتشاجر كل مساء، ولا في بيتٍ خالٍ من الكلام؛ ينمو حين تخلقان له طقوسًا صغيرة: سؤالًا مسائيًا ثابتًا عبر رسالة، لعبة أسئلة قصيرة على الهاتف، بلاي ليست مشتركة تُضاف إليها أغنية كل أسبوع، فقرة من كتاب تقرآنها معًا وتتناقشان فيها عشر دقائق.
هناك معيارٌ بسيط أخاطب به صديقتي كلما قالت ”مفيش أكشن“:
حين يغضب أحدكما، كيف يغضب؟ هل يغدو الخلاف حفرةً سوداء يُرمى فيها الصمت والتهديد، أم يصير جسرًا تعبران فوقه إلى فهمٍ أعمق؟
جون غوت، الباحث الذي درس الأزواج لعقود، يقول إن العلاقات المستقرة تحفظ نسبة سحرية ٥:١: لكل تفاعلٍ سلبي أثناء الخلاف خمسة تفاعلات إيجابية على الأقل.
هذا لا يعني علاقةً بلا توتّر، بل يعني توازنًا يمنع الدراما من التهام البيت.
التوتّر هنا بهار، لا وجبة.
عدم اليقين والتذبذب يرفعان الاستثارة الجسدية (نبضًا وتنفسًا)، فيُساء تفسير هذا الاندفاع على أنه عمق عاطفي. ما يحدث فعليًّا هو تنشيط للجهاز العصبي بفعل الغموض والتقارب ثم الانسحاب، لا زيادة في المحبة.
في هذه الحالات لا يكون الاحتياج إلى ألمٍ أكبر، بل إلى طمأنينة مفقودة. ثَمَّة فرق بين قول: ”أحبّك“ وبين سلوكٍ ثابتٍ يعني: ”لن أؤذيك“. هذا الحضور الواضح هو ما يسمح للعاطفة أن تستمر وتتنمّى دون قسوة.
أعرف أن لدينا إرثًا ثقافيًا يحتفي بالشرر. نحن أبناء مسلسلاتٍ وأغانٍ تُقدّس ”الجرح الحلو“ و**”الحب اللي يوجع“**. لكنّنا قادرون على كتابة سرديةٍ جديدة:
سردية تعتبر الوضوح إثارة، والمسؤولية رومانسية، والخيال طقسًا يوميًا لا تعويضًا عن الغياب.
لسنا ملزمين بأن نقيم في هامش الرواية حيث العاشقان جميلان لأنهما تعيسان. نستطيع أن نكون جميلين لأننا أحياء.
لسنا ضدّ الشرر؛ نحن ضدّ أن يكون مصدر الشرر هو الحريق.
الشرر الأجمل يأتي من احتكاك روحين تتقدان في أمان—لا من بيتٍ يحترق ونحن نصفّق للجمر.
إذا كان ”الأكشن“ الوحيد الذي تعرفه علاقتك هو الخوف، فذلك أكشنٌ ”رخيص“.
أمّا الإثارة التي تستحق أن تعاش، فهي تلك التي لا تُذعِن للكورتيزول كي تثبت وجودها، بل تستأذن القلب والعقل وتدخل على مهل، فتقيم.