في فصول الابتدائي الأولى، حيث تمتزج رائحة الخشب القديم بطبقة خفيفة من غبار الطباشير، وشطائر الجبن الـ ”مفعصة“ مع الرائحة الكريهة للبيض المسلوق، نتعلم أبجدية الحياة قبل حروف اللغة…
هناك، لم تكن دروس الحساب هي ما شكلت إدراكي للعالم، بل تلك الفتاة غير المُهندمة التي تناوبت عليها المعلمات مرارًا بين التوبيخ، السخرية، وبين المديح الذي وعدوها بأنها ستحصل عليه ما أن تكف عن العشوائية، وتكلف نفسها عناء التسريح.
كنت أراقبها من مقعدي بعين طفلة تملك من فائض التعاطف ما يكفي لتشعر بالغصة بدلًا منها. لم تكن تشبهني، لكني تبرعت لها بمساحة من الشفقة الصامتة، ظنًا مني أن قسوة الكبار ستكسرها.
لماذا يعاقب الكبار غياب الترتيب بهذا القدر من القسوة؟
إن كانت سعيدة هكذا، فقط دعوها وشأنها.
لم أكن أدرك حينها أن عشوائيتها لم تكن تمردًا على القوالب، ولا مساحة من الطفولة التي تجعلنا نبتهج إن تمرمغنا في الوحل كأي خنزير سعيد في الغابة. بل كانت مجرد ”إيقاف تنفيذ“ لنسخة أخرى تنتظر دورها.
كانت تمتلك في جيناتها كتالوج القبول المجتمعي الجاهز: ملامح شقراء، شعر منسدل، وجسد نحيل. كل ما كان ينقصها هو نفحة من الترتيب لتنتقل من مقاعد الضحايا إلى منصة الجلادين.
دارت الأيام، وتكفلت السنين بهندمة فوضاها ووضعها على المسطرة التي يرضى عنها الجميع. تقاطعنا مجددًا، مصادفةً، في إحدى المكتبات. كنت أحمل أشياء ثقيلة، وكانت هي تحمل ما هو أثقل. التفتت لتتفحصني. مررت عينيها على جسدي
-الذي بات أكثر امتلاءً بفعل هرمونات ما قبل البلوغ- وبنظرة تقييم فجة ووقحة، كعريس ثلاثيني أتى بصحبة والدته، قالت لمن معها بصوت لا يخطئه سمعي:
”بقا دي شايلة دي؟ وإحنا شايلين دول!؟“
لم تكن ”دي“ وفقط، بل حذفت نعتي بحيوان ضخم البنية حفاظًا على مشاعر نسختي ذات التسع سنوات.
ولو أن الفيلسوف ”جان جاك روسو“ كان يقف بجواري في تلك اللحظة وسط رفوف المكتبة، لربما سخرت -ولربما رنيته علقة- من نظريته الرومانسية الحالمة بأن ”الإنسان يولد خيّرًا، والمجتمع هو من يفسده“.
لقد صاغ الرجل نظرياته في عالم وردي يركض فيه الأطفال خلف الفراشات، ومن الواضح أنه لم يطأ بقدميه يومًا فصلًا في مدرسة حكومية؛ حيث الشر ليس مكتسبًا، بل هو جين خامل ينشط مع جرس الفسحة، ويعود للخمود فجأة خلف شاشات الهواتف مع مشاركة اقتباسات اللطف والمثالية الزائفة على الإنترنت في سن الثلاثين.
شأنها في ذلك شأن أولئك الأطفال الذين قضيت طفولتي أوزع عليهم ابتساماتي بسذاجة، فكان ردهم المعتاد إشاحة وجوههم بغرور، ونظرة تقطر اشمئزازًا مجانيًا غير مبرر.
لذا، أجدني أميل بشدة لفلسفة ”توماس هوبز“ الكئيبة حين أقر بأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، فهذه الفتاة لم تنتظر المجتمع ليفسدها، بل كانت تنتظر فقط أن تُسرح شعرها لتتفرغ لنهش من حولها…
ولأني أشبه هوبز، درامية ومتشائمة للحد الذي يجعلني أحمل موقفًا عابرًا لفتاة وضيعة، وأصنع منه فلسفة كئيبة ومبالغًا فيها أرى البشر من خلالها…
وللإنصاف، أعترف أنني عندما كبرت قليلًا ووطئت عتبات المراهقة، تلبستني حالة من الوغادة واكتسبت صفات الأوغاد حديثًا؛ لأنها كانت تبدو حينها صفة تمرد جذابة أو ما كنا نطلق عليه بلسان تلك المرحلة ”روشة“.
لكن في سن التاسعة ومرحلة ما قبل المراهقة، لا يوجد في قواميس الأطفال مفهوم للـ ”روشنة“ أو واجهة اجتماعية مزيفة نسعى لاكتسابها، الأذى في هذه السن المبكرة لا تحركه رغبة في استعراض القوة.. الأذى هنا مجرد طبيعة مجردة وخالصة.
الفلاسفة نظروا للشر من أبراجهم العاجية وتخيلوه وحشًا ملحميًا، ولم يدركوا أن الشر الحقيقي تافه جدًا؛ يتجسد في نظرة استعلاء، وكلمة فجة، وقليل من الهندمة.
بعض البشر لا تفسدهم الظروف، بل تمنحهم فقط العذر والأدوات المناسبة ليمارسوا فوقيتهم، يجعلون من أنفسهم معيارًا، ويرون الآخرين مادة اختبار لعلوّهم. بعض البشر، ببساطة، غير مستحقين للتعاطف، هم لم يكتسبوا القسوة من توحش العالم، بل جاؤوا بها من أرحام أمهاتهم..
هم يولدون هكذا، أوغاد بالفطرة..