الثانية ظهرًا
٦١٤ كلمة

”المشاعر التي لا يتم التعبير عنها لا تموت، وإنما تدفن حيَّة ثم تقوم بالتعبير عن نفسها بطرق أشد بشاعة“

صادفت هذا الاقتباس للعالم النفسي سيجموند فرويد حينما كنت أبحث عن تفسير لمفهوم الكبت، الذي أخبرني طبيبي النفسي ”أن عقلي يمارسه باستمرار لا شعوريًّا، وهذا لا يعني التغلب على الأفكار والأفعال غير المرغوب فيها، وإنما محاولات لتسكين الألم تظهر بعد ذلك بطرق سيئة ومبالغ فيها غالبًا“.

كيف نخدع أنفسنا بالكبت؟

عندما يحدث أي شيء لا يرضيني، أكون مقتنعة تمامًا أن كل الأوقات غير مناسبة للتعبير عما حدث؛ أردد أن هذا بسيط، يمكنني التعامل مع الأمر، وباستطاعتي تخطي تلك الأحداث بمجرد حجبها عن تفكيري، بل إنها الطريقة المثلى لتجنب المشكلات.

أخبر طبيبي أنني تخطيت أمورًا كثيرة، لكنه يذكّرني بوجودي هنا لأسباب عديدة، ومنها عدم قدرتي على الاعتراف بالانزعاج حينما أشعر بذلك ولا أبوح بالسبب الحقيقي، يؤكد لي أنني أتجاهل ولا أتخطى.

محاولة إيجاد طريقة مناسبة للتعبير

لدى مُعظم الأسر عادة مُربكة في التربية، إذا تكلمت فأنت مش متربي عشان بترد عليهم، لكن إذا سكت، فأنت مش متربي برضه عشان مابتردش عليهم.

وأنا بالتحديد كانت تواجهني مشكلة أخرى.. أنا أبكي بسهولة جدًّا في المواجهات، أكره هذه الطريقة وأحاول جاهدة السيطرة على هذا الشلال، ويأمرني أبي دائمًا بالتوقف عن البكاء.

الآن لدينا طريقتان مرفوضتان للتعبير هما الكلام والبكاء، حسنًا. ثمة طريقة أخرى وحيدة بالنسبة إليّ، الكتابة، الطريقة التي قررت اتباعها منذ الصغر وحتى الآن، لكنني أعجز أحيانًا عن ممارستها أيضًا.

عدة أسباب للغضب في التلاجة

هل ترغب في التعبير عن الغضب؟ هل تبحث عن سبب ظاهري للصراخ؟

إليك وصفة سحرية وفعّالة: افتح التلاجة وتأمل للحظات، ماذا تحب؟ الجبنة؟ توجد قطعة فقط لعمل نصف رغيف لا يُشبع طفلًا صغيرًا.

الخبز أيضًا يحتاج إلى تسخين بعناية، ماذا لو كنت ذهبت في الصباح لتأتي بأفضل منه؟

تريد كوب حليب؟ للأسف أصبح رائبًا الآن لأنك نسيته منذ أيام.

انظر إلى الخضراوات، لديك طماطم طرية جدًّا، لا تصلح لعمل طبق سلطة شهي.

وليس لديك طعام يكفيك غدًا، لذلك ستعود من عملك محمَّلًا بالأكياس، وتطبخ وأنت تشعر بالتعب، ولن يتاح لك وقت لتفعل شيئًا آخر، لأن لديك عمل في اليوم التالي أيضًا.

أما الليمون.. فلا يوجد أصلًا، لن تستطيع حتى الحصول على كوب عصير ليمون ليهدئ من أعصابك الآن!

التلاجة هي مكان مناسب جدًّا لإيجاد أي سبب يناسبك لتصرخ وتغضب.

محاربة الكبت بفتح التلاجة

”الغضب ليس عدوك، وإنما دليل على إنك بحاجة لشيء ما، لم تحصل عليه“

تُخبرنا الكاتبة جيل لندنفيلد في كتاب إدارة الغضب أنه يجب علينا أخذ هُدنة مع الغضب لكي نفهمه، ونحاول التعامل معه باعتباره ليس عدوًّا، وإنما نتيجة لكبت أشياء لا نستطيع التعبير عنها.

كان فتح التلاجة بالنسبة لي بمثابة متجر مليء بأسباب للغضب، يمكنني اختيار أي شيء منها للتنفيس عما أشعر به دون الاضطرار للتعبير عن الأسباب الحقيقية.

اعتقدت لسنين أن للاعتراف نتائج ربما لن أستطيع التعامل معها. أهرب من ردود أفعال الأشخاص، أو مدى تفهمهم وتقبلهم لما أقول، وبحثي عن الطريقة المناسبة للتعبير عما أشعر.

لم أكن أدرك أن المواجهة ضرورية أصلًا، رغم إلحاحي المستمر على كلِّ مَن أعرف ألا يخفوا أي شيء، ربما لتصوري أن لدي قدرة للتعامل مع كل المشاعر السيئة دون أن أتكلم أو أبكي أو أكتب، حتى لا ينتقد أحد أية طريقة منهم، وأكون حينها لست غاضبة فقط، بل نادمة أيضًا!

محاولة للتصالح مع الغضب

الآن، أفتح تلاجتي، وأخرج طبق فراولة أعرف جيدًا أنه بداخلها، وأغلقها مرة أخرى بهدوء، دون البحث عن شيء لإثارة الغضب.

تعلمت أخيرًا التعامل مع الأمر بشكلٍ واضح، بعد أن حدث شيءٌ أزعجني ذات مرة وأخبرت الفاعل أن تصرفه غير مقبول، لم أكن منتظرة الاعتذار حتى، احتجت فقط للتعبير، للشعور بهذه الخفة عندما تعترف أن شيئًا ما لم يعجبك وغير مُضطر لتقبله، دون أن تهتم لما سيحدث بعد ذلك.

أردت فقط أن أحافظ على سلامي الداخلي حتى لا أنهار يومًا لأني لم أجد الآيس كريم المفضل لي في تلاجة السوبر ماركت.

شارك