⁠الخامسة عصرًا
٤١٣ كلمة

هاتفي يرن، أنظر في شاشته لأجد كلمة ”MAMA“ فأجيب:
آلو

ماما: الدنيا بتمطر، متدوسش في الطين، وابعد عن عمدان النور، وامسح الجزمة قبل ما تخش عشان لسة غاسلين السجادة.
ثم تغلق الهاتف قبل أن أرد عليها.

تلك النصائح الأبدية حين تمطر السماء، التي أضيق بها ذرعًا؛ فتلك بديهيات بالنسبة لشاب في عمر الـ32 عامًا. فأنا أعلم أن السير بجانب أعمدة النور ربما يصعقني، وبكل تأكيد لن أعرّض حذائي للاتساخ بالدوس في الطين، وأعلم أن السير فوق السجادة المغسولة حديثًا قد يؤدي إلى مصرعي رميًا بالحذاء نفسه.

نحن نتصرف كما تربينا.

ولكني وجدت نفسي أتصرف مثل أمي وأقول تلك البديهيات لمن أهتم بأمره حقًا؛ فوجدت نفسي أنصح أخي حين يوصلني إلى المنزل أن يسوق على مهله في طريق عودته، وأن يأخذ باله من الطريق، ونصحت زميلتي في العمل حين أتركها وأستقل الأتوبيس أن تأخذ بالها من نفسها.

ليتضح لي أن الأم لا توصينا بهذا لأنها تُصدر أوامر، بل لأنها تحبنا وتخاف علينا من أي مكروه؛ فالأم مجبولة على الخوف على أولادها، فنحن في أعين أمهاتنا ما زلنا أطفالًا صغارًا مهما بلغنا من العمر.

وفي عمري هذا ما زالت أمي تستفسر عن كل صغيرة وكبيرة في يومي:

كيف كان يومك؟

ماذا تناولت على الإفطار؟

كيف كانت المواصلات؟ فهي تهتم بكل تفاصيل يومي، ومعرفة تفاصيل يومك بالنسبة لها كأنها عاشت اليوم معك ولم تتركك لحظة.

نحن بالنسبة لأمهاتنا الإنجاز الأكبر في حياتهن، وامتداد لهن.

في دراسة لعالم النفس الروسي ”ستانيسلاف سامبورسكي“ أن الأمهات عادةً ما يبالغن في الخوف وحماية أولادهن بسبب إحساسهن بالوحدة وفقدان المعنى؛ فالطفل الصغير الذي رضع من ثديها لعامين كاملين، ثم رعته في سنين الطفولة ما بين وقت الصحة والمرض، ثم في مراهقته والمذاكرة معه وقت الامتحانات، ها هو الآن صار بالغًا عاقلًا يتصرف كيفما يشاء وصار في سن الزواج.

فكيف إذًا نُخفّف هذا الشعور السيئ؟

كلمة ”حاضر“ بتريح

كان أبي يقول لي دائمًا، حين تشتكي له أمي مني بسبب عدم الانصياع لأوامرها حين أهمل مذاكرتي أو أعود متأخرًا إلى المنزل أو تعطيني نصيحة فلا آبه بها: ”كلمة حاضر بتريح“.

فهذه هي النصيحة التي صرت أتعامل بها قدر الإمكان مع أمي؛ في البداية كنت أقولها وربما أفعل عكسها، ثم صرت أسمع كلام أمي وأقول ”حاضر“ طاعةً وإيمانًا بها فعلًا.

فما سبب هذا التحول؟

قلب الأم

الأمهات يعرفن بقلوبهن ما لا نعرفه نحن بعقولنا وتجاربنا. لم تُخطئ أمي مرة حين تبصر وجهي فتقول لي: ”مالك متغير ليه؟“، ولم تُخطئ مرة حين نبّهتني من مصادقة فلان لأنه إنسان سيئ، أو حين تخبرني أن السماء ستمطر برغم عدم إذاعة الأرصاد ذلك في نشرتها.

فنصيحتي لي ولك دائمًا هي ”اسمع كلام أمك“.

شارك هذا الـمقال