⁠الخامسة عصرًا
٦٧٦ كلمة

كان سيسعدني أن تكون فصحاي مثل عاميتي، لأن وصف أم ياسين لو كُتب بالفصحى يستطيع أن يضعها جنبًا إلى جنب مع أمهات مشاهير في الأدب.

ما الفرق بين أم ياسين وأم سعد لغسان كنفاني؟ ولماذا لا يمكن لأم ياسين أن تصبح شخصية رئيسية مثل أم جاد المولى في رواية ”أكبر الكبائر“ ليوسف إدريس؟

الفرق يا عزيزي أن حظ أم ياسين العثر جعل كاتبتها أمةَ الله، وحظ أم سعد وأم جاد المولى جعل كتابتهما على يد كنفاني وإدريس.

أم ياسين نحيلة، نحولًا غير صحي. حتى في صِباي، قبل أن أعرف ما الصحي وما غير الصحي، أدركت أن هناك شيئًا خاطئًا في هذا النحول. ترتدي دائمًا فساتين صعيدية ملونة ومزخرفة بالورود. أسنانها بيضاء ناصعة، وعيناها فاتحتان، لا أعرف هل هما خضراوان أم عسلي فاتح، أم أن اسمرار وجهها الزائد من الشمس هو ما يجعل عينيها تبدوان فاتحتين وملفتتين.

ملابسها نظيفة، وأتذكرها الآن بفستان أخضر فاتح مزخرف بورود وردية اللون.

تأتي إلى البيت، تدق الجرس، ثم تذهب وتجلس على الأرض بعيدًا حتى لا تجرح المنزل. تجلس القرفصاء وتسند رأسها منهكةً على الحائط، كأن هذه أول لحظات جلوسها منذ الصباح.

لا أتذكر متى كانت أول مرة جاءت أم ياسين على باب بيتنا بالخير كله:

البيض الفلاحي، والجبن القريش، واللبن الفلاحي الطازج، وأحيانًا خضار الموسم. لكن أتذكر أنها كانت تنادي أمي في البداية بـ”أم مريم“ (بما أنني الابنة الكبرى)، حتى جاء مصطفى فأصبحت أمي ”أم مصطفى“ (أخيرًا جاءها صبي ويستطيع الناس الكف عن نطق اسم الفتاة علانيةً)، كتلك العادة في الصعيد.

فبناءً على هذا هي تعرفنا منذ أن كنت في التاسعة من عمري، قبل مجيء مصطفى.

أعرف أيضًا أن معرفتي بأم ياسين تعود لزمن العشر بيضات البلدي بجنيه (10 قروش للبيضة)، مرورًا بزمن الخمس بيضات البلدي بجنيه(البيضة بـ20 قرش). تعاركت معها أمي وطلبت منها أن تتوقف عن المجيء عندما طمعت أم ياسين وطلبت أن تبيع البيضة بـ35 قرش بسرعة كبيرة، فرأت أمي أن نعيش عيشة أهلنا ونأكل بيضًا أحمر زي خلق الله، ولو بابا نفسه في بيض بلدي مقلي نبقى نشتري البيض من بره.

في هذا الوقت تنبأ أبي بالمستقبل، عندما كان يحاول أن يجعل أختي تأكل البيضة المسلوقة كلها ولا تُلقي الصفار جانبًا ليأكله: ”خليكي اتبطري على النعمة يا بنت الكلب، بكرة توري ولادك صورة البيض في الكتب وتقولي لهم والله كنا بناكله زمان.“

كيف عرف أن البيضة ستصبح بـ5 جنيه، وأنها ستصبح وجبة مش تصبيرة؟

نرجع لأم ياسين. من اسمها، ابنها الكبير ياسين. في آخر أيامها معنا كانت رُزقت بطفلة أخرى، وكان عندها بنت وسطانية أصغر مني. بنتها تزوجت وهي في الإعدادية، على ما أتذكر. بحاول اتذكر اسم أم ياسين نفسها، لكن فاكرة ”مهرة“ و”مهجة“. هل دي أسماء أولادها؟ أو واحد اسمها وواحد اسم واحدة من البنات؟ ذاكرتي لا تسعفني.

الفترة اللي فاتت كلها بحاول أفتكر سوهاج بكل حاجة فيها. سوهاج اللي سبتها في 2015 وزرتها آخر مرة في 2017 أسبوع. عاوزة أرجع سوهاج زيارة.

شيء قاسٍ جدًا إن ذكرياتك تبقى متقسمة بين البلاد.

يعني مش بس حياتك مراحل، وكل مرحلة أحيانًا بتبقى منفصلة عن اللي بعدها واللي قبلها، وكمان تبقى كل مرحلة في بلد، والحنين يفضل يزقّك تفتكر شكل الشوارع اللي عدى على زيارتك ليها 10 سنين. هو أصلًا مش غريب إني وأنا بس 33 سنة يبقى عندي حكايات عن الأسعار زي اللي تيتا كانت بتحكيهالي؟

واحدة صاحبتي قالتلي لازم نعمل فيلم عن أم ياسين. ”البحث عن أم ياسين.“ قولتلها آه، ونجيب ساندرا نشأت تخرجه، هي بتحب الحاجات دي.

طبعًا أنا ممكن أكتب بحث علمي دلوقتي عن الاقتصاد والأسعار، وأستخدم أسعار البيض في الحقب المختلفة في مصر لتحديد قيمة العملة زي The Big Mac Index كده. هسميه بالعربي للتخلص من السيطرة الغربية. هسميه: مؤشر البيض البلدي.

بس أنا ست طيبة، ومش عاوزة حاجة من الدنيا غير حتة أرض في منطقة ساحلية أبني عليها بيت، وأربي فيها غنم وفراخ، ويبقى عندي مصدر البيض الخاص بيا، ولا الحوجة لأم ياسين.

هامش: ¹ مؤشر البيغ ماك (Big Mac Index) هو أداة اقتصادية غير رسمية أطلقتها مجلة The Economist عام 1986 لقياس تعادل القوة الشرائية بين العملات المختلفة. يعتمد المؤشر على مقارنة سعر شطيرة «بيغ ماك» من ماكدونالدز — باعتبارها منتجًا موحدًا متوفرًا في أكثر من 100 دولة — لتقدير ما إذا كانت العملة مقوَّمة بأعلى أو بأقل من قيمتها مقارنة بالدولار الأمريكي.

شارك هذا الـمقال