الثانية ظهرًا
٣٤٨ كلمة

فصل جديد من الاكتئاب.

وأنا بحكي لأختي إن الدكتور النفسي بتاعي بيقولي إن الأعراض كلها كأنها الاكتئاب من جديد. قبل ما أكمّل، وقبل ما تعرف أنا قلت إيه أصلًا، قطعتني وقالتلي بهدوء:

– مريم، ما تكتبي؟

= أكتب عن إيه؟

– عن بابا، وماما، وتيتا، وعمو، وخالو، وعن الذكريات العجيبة اللي إنتِ بس اللي فاكراها.

وأديني هو بكتب.

أول حاجة جات في بالي عن بابا كانت قبل تسليم آخر نسخة من رسالة الماجستير، وقبل ردّ اللجنة. كنت خايفة. بجد.

قلتله: ولو رفضوا؟ ولو قالوا دي متنفعش؟ ولو…؟

قالي جملة واحدة: بنت، متخافيش… إنتِ بنت محمد نشأت.

ضحكت وقلتله: والله يا بابا؟ تفتكر الناس هنا في جامعة ويسكنسن ماديسون هيدّوني الماجستير لما أقولهم أنا بنت محمد نشأت؟

قاللي وهو ثابت جدًا: أيوه. مين الناس اللي عندك دول؟ مش بياكلوا ويجيلهم إمساك وإسهال زينا؟ وبعدين، عنهم ما عرفوا مين محمد نشأت. المهم إن إنتِ عارفة مين محمد نشأت، وعارفة مين مريم محمد نشأت.

ومن ساعتها وأنا بسأل نفسي: مين بقى محمد نشأت؟ ومين مريم محمد نشأت؟

سؤال بقالي سنين بلف حواليه.

الوحيد اللي متأكدة منه دلوقتي إن عندي أكتر من حياة. حياتي في الصعيد، في سوهاج. وحياتي في بيت العيلة، في المحلة في الفلاحين. وحياتي لوحدي في أمريكا. وحياتي مع جوزي في أمريكا قبل وجود الأولاد. وحياتي بعد الأولاد.

عدّ معايا كده… خمسة حيوات. في ٣٣ سنة. يا بلاش.

طب إيه الذكريات العجيبة؟

ليه أحلم بالست اللي كانت بتجيبلنا بيض في سوهاج؟ ليه أم ياسين تبقى جزء من أحلامي كام يوم ورا بعض؟ وليه فجأة أفتكر اسم أول محل موبايلات فتح في شارع بيتنا في سوهاج؟ عبر الأثير. ليه أصلًا حد في الصعيد يسمي المحل كده!

الاسم يفضل يرنّ في وداني، من غير سبب واضح.

كنت ناوية أخلّص المقال بحكمة تقيلة ترجعنا للعنوان: ”متعرفش أنا بنت مين“، ودلالتها في المجتمع المصري، وقد إيه قوتها بتتغيّر حسب مين اللي بيقولها، وفين وإمتى بتتقال.

وكنت ممكن أبعد شوية عن البداية، وأعمل نفسي فاهمة.

بس الحقيقة؟ مفيش موضوع. ولا حكمة. ولا حاجة.

فيه بس محاولة كتابة. ومحاولة تجميع ذكريات. ومحاولة علشان أفهم أنا بنت مين؟

شارك هذا الـمقال