الثانية ظهرًا
٧٨٠ كلمة

«وجهه صافٍ جميل، نظرته مخملية، له ضحكة تلميذ، وذو مزاج مرح»

هكذا وصفت «سيمون دي بوفوار» صديقها الفيلسوف «موريس ميرلوبونتي»، مُعترفة في مذكراتها أنها كادت أن تقع في حُبه، حتى أمها رغم مزاجها المُتقلب أحبته بشدة.

ولم يكن ذلك مثارًا للدهشة، لأن بتعبير سيمون:

الجميع يُحبون ميرلوبونتي ما إن يعرفونه.

كان ميرلوبونتي يُضفي طمأنينة ساحرة على أي سياق يحضر فيه، يُجيد التكيف مع أي مُفاجأة، ويجد دومًا أرضية مشتركة يقف عليها مع أشد المُخالفين له.

حتى قيود الزواج والحياة العائلية لم تُفزعه يومًا مثلما أفزعت سيمون طوال حياتها.

أكسب ميرلوبونتي حياة دي بوفوار المُتقلبة، خفة لا تُحتمل، جعلتها تُطل عليها من علٍ وتُحب المشهد، إذ تقول:

”لم أعرف أحدًا آخر تعلمتُ منه فن المَسرَّة. كان يحمل بخفة ثِقل العالم كله الذي لم يعد ثقيلاً على نفسي أيضًا.“

لم تكفِ تلك المزايا الساحرة كي تقع سيمون في حُب ميرلوبونتي، بل أثارت للمفارقة نفورًا عكسيًا، جعلها تكتب في مُذكراتها:

حقًا، طمأنينته تُغيظني!!

بعد وقت ليس بطويل، أيقنت سيمون أن ميرلوبونتي سيظل في حياتها، كأخ، صديق داعم، ولكن ليس عشيقًا أبدًا.

وسرعان ما حل مكانه، جان بول سارتر، ليخلق معها قصة حُب خالدة في تاريخ الفلسفة والأدب.

كان سارتر نقيض ميرلوبونتي في كل شيء، ثائر، انفعالي، فظ ولا يُهادن، غاضبًا لا يُروضه شيء، وهذا للمفارقة ما أرادته سيمون.

لذلك لخصت رفضها لميرلوبونتي، بجُملة شعرية:

”لم يكن عنيفًا ومملكة الله للعنيفين“

خلال عام ثورة 2011، نما الإعجاب بيني وبين فتاة، حتى كاد الاعتراف بالحُب أن يُغادر أمان الشفاه في قفزة انتحارية ويُعلن عن نفسه. لكنها سرعان ما ابتعدت، واصطنعت لي مكانًا في الكومفورت-زون!

بعد سنوات نمت فيها صداقتنا على جذور أكثر رسوخًا من نسيم الحُب العابر، صارحتني أنني لم أكن وقت الثورة غاضبًا بما يكفي. كنت باهتًا في صدارة مشهد أكثر ملحمية، لا يحتاج عاشق يتفهم ويتأمل، إنما ثائر يختار معركة ويُقاتل.

في دراسة أدارتها هيذر لينش من جامعة Texas A&M، وجدت بالفعل أن الغاضبين أكثر قُدرة من غيرهم على المشاركة المدنية، وعلى التورط في محاولات تغيير الواقع حولهم.

لم يكفني هذا التفسير، ميرلوبونتي تورط في تغيير العالم طوال حياته، مثل سارتر وبوفوار، حتى أنه خاض بعضًا من معاركه ضد أصدقاء عمره بالأساس.

أنا حاولت تغيير العالم بسذاجة أحيانًا وبواقعية أحيانًا، لم يمنعني اللُطف أنا وميرلوبونتي من أن نكون فاعلين؟

لماذا تعرضنا للطرد إذن من فردوس الحُب على يد امرأة لم تجدنا غاضبين بما يكفي؟!

ربما يُجيب عن ذلك الفيلسوف آلان دوبوتون، الذي يعترف أن الغضب تقف وراءه عاطفة عكسية، وهي تفاؤل مثالي، يكاد يكون طفوليًا في براءته!

حسب دوبوتون، الشخص الذي يغضب من الزحام أو الظُلم أو عيوب شريكه، يختبئ خلف انفعاله، تفاؤل طفولي بأن الطرق يجب أن تخلو من الزحام، والشريك يجب أن يكون مثاليًا، والعالم يجب أن يكون عادلًا.

يقول دوبوتون:

”الغاضبون لا يستسلمون للغضب المدمِّر بقدر ما يكونون في واقع الأمر في قبضة الأمل“

تفتنني فكرة أن الغضب يُمكن أن يُخفي تفاؤلًا ساحرًا تجاه العالم.

ربما لذلك دافع ميرلوبونتي في أيامه الأخيرة عن الصديق الذي عاداه طويلًا، والذي ظفر بقلب صديقة عُمره. حتى عندما أُعجب سارتر بالسوفييت في أشد أوقاتهم استبدادًا، وحتى عندما أعار غضبه ومثالياته لمعارك مشبوهة، برر ميرلوبونتي ذلك بتفاؤل خير داخل سارتر جعله يصدق أن العدالة يمكن تحقيقها دومًا، مهما كان التطبيق ساذجًا.

يقول ميرلوبونتي:

ثمة حقيقة بسيطة عن سارتر لا يعرفها سوى القِلَّة، ولم يذكرها في كتبه، ألا وهي: «إنه شخص خَيِّر» «خَيْريّته» هي عَيْبه المُهْلِك.

كان سارتر غاضبًا بما يكفي لتحبه سيمون، وكان مثاليًا بما يكفي ليعذره ميرلوبونتي.

في فيلم «مانهاتن» يقع البطل إيزاك (وودي آلن) أسيرًا كعادة أفلامه لمتاهة من الفوضى العاطفية. لا يُجيد إيزاك فيها التعبير عن احتياجاته، وحتى عندما يوجهه طبيبه النفسي للخروج من المتاهة، يُقرر تغييره كي يستبقي فتاته ويظل في علاقة سامة معها.

في مشهد كوميدي، يواجه صديقه المُقرب الذي بدأ علاقة مع حبيبته السابقة، في مثلث عاطفي يُشبه ما كان يمكن أن يحدث ل(بوفوار-سارتر-ميرلوبونتي). ولكن بدلًا من الغضب، يعترف إيزاك أنه لا يستطيع أن يغضب، إنما يُراكم الكبت بداخله، ويحول غضبه إلى صبر داخلي، يكاد يُنمي ورمًا في النهاية بدلًا من انفجار.

في دراستها، ترى هيذر أن الغضب مؤشر مثالي، لاحتياجاتنا في العلاقات العاطفية، لأن انفجاره يُرشدنا مثل بوصلة لا تخطئ، لوجود مُشكلة في مكان بعينه. وهذا ما فعلته بوفوار عندما أطاعت غضبها واختارت شريكًا يناسبها. لو كان إيزاك يُجيد الإنصات لغضبه، لكان شخصًا سعيدًا.

يصعب أن نرى الغضب باعتباره عاطفة إيجابية، ولكنه في كثير من الأحيان يستمد نضارته من جذور مثالية، ترى العالم كما يجب أن يكون، لا كما هو عليه، وهذا يجعلنا أكثر تفهمًا لمنطق الغاضبين.

لا توجد عاطفة تتفجر مثل الغضب، وهذا ما يجعله البوصلة الأسرع لإرشادنا وقت التيه لمكمن الأزمة.

ربما مملكة الله تسع الجميع عكس ما ظنت دوبوفوار، ولكن يُمكن للغاضبين فيها أن يُرشدونا أحيانًا، ودون غيرهم، لنسخة العالم كما يجب أن يكون، وللمشكلة المُخفاة تحت طبقات كثيفة لا يُمكن اختراقها للسطح إلا بجمرة غضب مُتفجر.

شارك هذا الـمقال