أنا من هناك، وعشت هناك ٢٥ سنة بس دلوقتي هتم ال٢٦ هنا. الغريب إني معنديش حنين لهناك..ولا بحبه ولا بكرهه، كأني كنت ضيف ومشيت.
شقتنا كانت إيجار قديم وأهلي كان حلمهم ننقل شقة ملك… حلم اتنقلي ويمكن علشان كده معنديش مشاعر كتير تجاه البيت اللي قضيت أغلب ذكريات طفولتي ومراهقتي وأوائل عشريناتي فيه.
أنا من هناك، بس عمري ما حسيت إني شبه هناك. ده غالبًا كان بسبب خوف أهلي من أننا نفضل هناك وحرصهم أننا نبقي من هنا.
”العار“
يتم تعريف العار كالآتي:
”عيب، كلُّ ما يُعيَّر به الإنسان من فعلٍ أو قول أو يلزم منه سُبَّة“.
مكنتش فاهم ليه طول ما أنا هناك كنت عايز أمشي وأبقى في حتة أحسن، كنت بقول إني ساكن في شقة إيجار قديم على استحياء. لما كنت بروح لصحابي كنت بحس بنوع من أنواع الغيرة إن شقتهم أوسع أو في مكان أفضل أو تمليك!
يتم تعريف الحقد الطبقي كالآتي:
”الحالة الشعورية التي تجعل الإنسان يشعر بالغيرة الشديدة والحقد ممن يراهم يتمتعون بأفضلية مقارنة بما يمتلكه“.
رغم إني كنت من هناك بس أهلي تأكدوا إني ميبقاش عندي النوع ده من الحقد، أو أي حقد، علشان ”دي مش أخلاقنا، دي أخلاق هناك“.
بس الأكيد هو تكوين شعور آخر بداخلي وهو ما أسميه بالعار الطبقي. أنا من هناك بس مش شبه هناك ومش المفروض أكون وسط الناس هناك، عاداتي مش زي هناك، أخلاقي مش زي هناك، ولا تعليمي زي هناك…
ولما دخلوني المدرسة لقيت أن الواقع أنا ولا شبه هنا ولا هناك!
:“Academic validation”
”هو مصطلح غربي بالأساس، ويشير إلى ربط قيمة الذات بالمعدّلات الدراسية“.
جزء من محاولات الهروب من هناك كانت التعليم. كل درجة تنقص من معدلاتي الدراسية هي فشل في مقدرتي على الهروب من هناك، أو على الأقل لحد ما دخلت طب بشري.
التعليم هو أحد أدوات الرأسمالية في وهم الأفراد بقدرتهم على تسلق الهرم الطبقي، طريق يمشيهم من هناك وييجوا هنا. ولكن في الواقع لا يمكن لأدوات السيد أن تهدم منزله.
اتصدمت بواقع إن حتى بعد ما دخلت طب، أنا مازلت هناك، وفرص خروجي من هناك رغم زيادتها مازالت قليلة بالنسبة لفرص ناس تانيين كتير.
والصدمة الأكبر هو أن هناك ده يمثل طموح أشخاص كتير وبرضه فرصهم قليلة للوصول.
طب والعمل دلوقتي إيه؟!
الوعي الطبقي:
”يتم تعريف الوعي الطبقي كإدراك الأفراد لموقعهم الاجتماعي والاقتصادي ومصالحهم المشتركة“.
مع الوعي المستحدث، زاد الشعور بالوحدة، أنا ولا شبه هنا ولا هناك، في طب آه بس مدرك مشاكل أكبر بكتير محتاجة حلول، ومش متأكد بعمل إيه وليه وفين؟! بس متأكد إني مش عاجبني الحال، لا هنا ولا هناك.
مع مرور الوقت والكثير من العمل التطوعي والقراءة والعمل بمؤسسات المجتمع المدني، لقيتني كوّنت لنفسي دواير أقدر بكل أريحيّة أعبر معاهم عن مشاعري تجاه أنا مين وجيت منين وبعمل إيه.
والأغرب بالنسبالي هو مشاركتهم ليا – رغم اختلاف خلفياتهم وموقعهم على السلم الاجتماعي – بإحساس الغربة من المكان اللي جايين منه والمكان اللي هما فيه، والشعور بالعار تجاه هما منين.
التطلع للأفضل يعتبر غريزة بقاء عند أشخاص كتير، ولكن العار هو شعور يتم إرغامه على الأفراد من المجتمع. واللي تأكدت منه أن المجتمع داخل المنزل تأثيره على الفرد أكبر مما توقعت بكتير.
مع العديد من التأملات الذاتية والمشتركة مع مساحاتي الآمنة، قدرت أفهم العار ده جيه منين وليه، ودور الأهل كضحايا للعار وتورطهم اللاواعي في نقله لأطفالهم في محاولة لإنقاذهم من واقع طبقي بيحكم عليك بناءً على انت جاي منين ويحطك في قوالب لا تراعي إنسانيتك كفرد.
مع الفهم تبدأ عملية الإصلاح، تغيير المنظور الذاتي لنفسي ولبيتي والسلم المجتمعي كفكرة. بس هكون بضحك عليكم لو قلتلكم إني نجحت في ده!
أنا من هناك ومتصالح مع ده أكتر من الأول بكتير…
وأنا صغير كنت مبحبش أمشي في الشارع أو أخذ مواصلات عامة. بس أنا من هناك فاتعلمت أمشي في الشارع واتعلمت أركب مواصلات مختلفة. لحد دلوقتي بحس بالتوتر بس الأكيد أنه قل مع الوقت.
مكنتش بحب أتمشى من الجامعة للبيت. ولكن كل يوم في آخر التمشية، كنت بلمح شجرة معينة بتحسسني بالارتياح.. خلاص، أنا كده وصلت البيت.
دلوقتي لما بفكر في هناك لازم يجي على بالي الشجرة واستقبالها ليا كأنها بتقولي ”خلاص أنت وصلت البيت“، وساعات بفتكر زينة رمضان اللي مفتقدها وأنا هنا وكانت بتهون عليا كتير المشي هناك.
أنا من هناك بس مبقتش هناك، ومستني أشوف الحياة هتاخدني على فين.
بس الأكيد هو إن وجودي هنا أو في أي مكان سببه وبدايته هو هناك.