⁠العاشرة مساءً
٦١٤ كلمة

تلح علي أبيات قيس بن الملوح، أو مجنون ليلى كما يقولون:

”أمر على الديار ديار ليلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديار“

أتأثر بشدة بالأبيات، لكن تجذبني المفارقة، فأنا التي شغفني حب الديار!

في طفولتي كنا نسكن في شقة صغيرة مكونة من غرفتين وصالة وحمام ومطبخ صغير، وحين كبرنا قليلًا اقتطعنا جزءًا من الصالة ليصبح غرفة ثالثة ليسعنا البيت.

كنت أتخيل أنني سأعيش هنا حتى أتزوج ثم أعيش في بيت زوجي حتى أموت، وقبل أن يدخل عقلي مفهوم الزواج اعتقدت أني سأعيش في تلك الشقة الصغيرة طوال حياتي.

ولكن بتيسير الحال والرغبة في الترقي التي لا تفارق رأس الطبقة المتوسطة قام أبي ببناء شقة أكبر، في الحقيقة كانت شقة فسيحة بأربع غرف وحمامين ومطبخ كبير وصالتين، كانت ملعب!

ظننت أنني سأبقى في هذا الملعب حتى أتزوج، لكن ذلك لم يحدث أيضًا. لتغير الظروف ولرغبة في الابتعاد عن الأماكن المشحونة بسكانها انتقلنا إلى شقة أخرى ثم أخرى في حي أفضل كثيرًا من حينا القديم.

وبالتوازي مع كل هذا، دخلت الجامعة في القاهرة وانتقلت وحدي لأعيش في خمس شقق مختلفة خلال سنوات دراستي الخمس! أغلبهم لبضعة أشهر وواحدة فقط لسنوات، وبعد كل هذا الترحال عدت لشقة أهلي الأحدث لفترة قصيرة، ثم انتقلت لشقة زواجي.

عشت في عشرة شقق أفتقدها جميعًا، كلها اعتبرتها ”بيوتًا“، فأنا شخص عاطفي أولًا، يرتبط بالأماكن ثانيًا، يكره التغيير ثالثًا.

ولكن ما الذي يجعل البيت بيتًا؟

في بحث قام به باحثين في الأنثروبولوجيا فرقوا بين المنزل والبيت، المنزل هو الفراغ نفسه، بتعريفات المكان، المساحة، الجدران، وموضع الأشياء بالداخل، أما البيت فهو شيء مختلف.

فالبيت هو الشعور لا المكان، قد يكون البيت مرتبطًا بشخص ما، أو رائحة، أو شعور بالأمان أو العكس، الشعور بالخوف.

حين أفكر في كلمة ”البيت“ لا يفكر عقلي في منزل بعينه، تتساوى المنازل التي عشت بها في كونها ”بيوتًا“ لي.

ولكن ما البيت بالنسبة لي؟

البيت في عقلي هو حقيبة للذكريات، أسمي كل ذكرى في حياتي بالبيت الذي سكنته حين وقوعها، لذلك أفضل بيوتًا على بيوت لما تحمله الحقيبة من مشاعر يغلب عليها الحنين أو النفور.

كرهت بيتًا واحدًا، وخِفت من عدة بيوت، وأحببت البقية. البيت عندي يمتد للمنطقة أيضًا، فالدقي محملة بذكريات الجامعة، والزقازيق محملة بكل ما هو قبلها، وأكتوبر محملة بالمستقبل الذي أعيش فيه.

في رواية ”مقتل الكومنداتور“ لهاروكي موراكامي ينطلق البطل تاركًا منزله بعد انفصاله عن زوجته، يتنقل على الطريق من مدينة لمدينة ثم يستقر في بيت والد صديق له من أيام الجامعة.

ومع أنه يعتبر حاميًا للبيت، وضيفًا له موعد رحيل مهما طال البقاء، إلا أن شيئًا بداخله شعر تجاه ذلك المنزل أنه بيته، وخلق حياته حوله.

هناك منازل نسجت حياتي حولها مثل هذا البيت، الشقة التي عشت بها أطول مدة خلال دراستي الجامعية لم تكن نظيفة، ولا مرتبة، ولا في مكان لائق، لكنها كانت بيتًا لي، لما حملته من ذكريات وتجارب جديدة أخوضها ثم أرجع لأحكيها لأصدقائي في هذا البيت.

فكرنا في شراء الشقة من شدة تعلقنا بها لكن لم يكن لدينا المال بالطبع، ولم يتحمس أهلنا للفكرة.

في الأجيال السابقة لجيلي وجيل أهلي، كان البيت هو الفلك الذي يدور به كل شيء، بالنسبة للذكور فكان يمكنهم البقاء في بيت واحد طوال عمرهم، والإناث ينتقلن من بيت أهلهم لبيت أهل زوجهم، وتنتهي القصة.

أما جيل أهلي فكان الجيل الذي انفصل أغلبه عن البيت الكبير، وأصبح لهم بيوتهم الخاصة، الجيل الذي عرف انفصال البيت نفسه جغرافيًا عن بيت أهلهم، قد ينتقلوا خارج القرية أو خارج المدينة نفسها أو خارج الدولة من الأساس.

أما جيلي أنا، بقدراته الاقتصادية المحدودة في غالبية الطبقة المتوسطة، يصبح امتلاك منزل رفاهية غير متوفرة للجميع، فينتقل الجيل من شقة لشقة لشقة.

هل يرتبط الجميع بالأماكن مثلي؟

لست أدري إن كان بيتي الحالي هو بيتي الأخير، لكني سأحمل كل البيوت السابقة معي، بكل شحنتها العاطفية، بحلوها ومرها، لأنني إن تركتها سأترك جزءًا من نفسي.

شارك هذا الـمقال