بابا مات منذ خمس سنوات، لم يكن موته مفاجئًا، فقد كان مريضًا، لكني فوجئت على أي حال، وشعرت بالتهديد وكأن وجودي مقترنًا بوجوده. ارتبكت أول الأمر عن كيفية إخبار أي أحد بما حدث، هل أبعت رسايل؟ هل أكتب منشورًا الآن؟ أم أنتظر حتى يأتي جسده من المستشفى؟ أم أنتظر حتى يُدفن؟ ماذا أكتب؟ انشغلت عن موته بأسئلة شديدة الهامشية، لكن كل ما عرفته أن بابا مات، وعليّ إخبار العالم.
بعت رسالة لجروب يجمع صديقاتي، بابا مات، بعثت لصديقتي المقربة التي مازالت نائمة، بابا مات. لم أجد ذلك كافيًا، كتبت على تويتر، بابا في ذمة الله، كتبت على فيسبوك، بابا في ذمة الله، أين العزاء؟ لا أعرف، متى الدفن؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أنني أريد إخبار العالم بذلك أولًا، وحين فعلتها، وقفت أمام حقيقة موته.
في ذلك اليوم وفي الأيام التالية كنت في حاجة لوجود أي شخص بجواري، ليخبرني بأي شيء، كنت أشارك في أحاديث النسوة المعزيات حتى لا يبتلعني الصمت. كنت أنتظر أصدقائي ليخبروني بأي شيء، أعباء حياتهم، مشاكل العمل، أي شيء يخرجني من حقيقة موت بابا. لا أعتقد أنه كان إنكارًا، بل تشتيتًا. انشغلت أيضًا بسؤال آخر، ما الذي عليّ فعله كابنة رجل مات للتو؟ هل عليّ الاستمرار بالبكاء؟ هل عليّ الصمت؟ لست قادرة عليه.
في أيام الفقد الأولى تشعر وكأن مشاعرك تسحقك، ليس الحزن وحده، بل أنواع متعددة من المشاعر.
وبمرور الزمن تبدأ في تصريف بعض تلك المشاعر، لكن البعض الآخر لا يمكن تصريفه مهما حاولت، ويظل بداخلك، وتصبح مهمتك هي التعايش معه وخلق حيز آخر حتى لا يضيق بك المكان. رأيت صورة توضح أن التروما لا تتضاءل، بل نحن من نكبر حولها فتبدو وكأنها تضاءلت، أعتقد أن هذا يسري على الفقد أيضًا.
أفضل ما يمكنك تقديمه لشخص مر بالفقد أن تبقيه مشغولًا قدر الإمكان، لأنك إن تركته لفقده ستسحقه تلك المشاعر. ابقه مشغولًا عن الفيل الهايج في الغرفة حتى يهدأ ويصبح أكثر وداعةً ويمكن التفاهم معه، حتى لو كانت نتيجة ذلك التفاهم هي مصاحبته وإبقائه في الغرفة، لا يهم، المهم عدم الاشتباك في الأيام الأولى.
في فيلم الحريف يذهب البطل ليخبر أباه بموت أمه، يجيبه: كلنا هنموت، معاك سيجارة؟
علق المشهد في ذاكرتي، كلنا هنموت بالفعل، لكن ماذا علينا أن نفعل حين نواجه الموت؟ لا توجد إجابة واحدة، لا توجد إجابة في الأساس.
يأخذنا كتاب ”عن الأسى والتأسي“ في رحلة عبر رحلات متعددة من الفقد، الفقد رحلة قد تطول أو تقصر أو تمتد إلى الأبد. كل رحلة تختلف عن نظيرتها، فموت أبي مختلف تمامًا عن موت خالي الذي سبقه بعدة أشهر، وكلاهما يختلف عن موت خالي الذي سبقهم بخمسة عشر سنة. وفقد كل منهم كان رحلة مختلفة على كل فرد مر بها من العائلة، الفقد كالحمض النووي، لا يتشارك فيه شخصان.
بعد مرور الأيام الأولى قررت العودة إلى العمل، وتكرر الاستفسار عن ارتدائي الأسود من ساسي لراسي، أخبر الجميع: بابا مات. تنعكس نظرتهم سريعًا من الفضول عند السؤال إلى الشفقة ثم محاولة مواساتي أو إبهاجي حسب منهج من سأل السؤال.
بعد مرور عدة أسابيع تنصحني المريضات الأكبر سنًا، كنت ما زلت أعمل بالطب حينها، أن عليّ خلع الأسود حتى لا يصبح فأل سيء: أنت في سن جواز! تصعقني الفكرة، ما دخل الزواج؟ وأي زواج وقد مات أبي؟ خلعت الأسود بعدها لكن لسأمي منه، ولصعوبة الاستمرار في الغسل والنشر واللبس والغسل والنشر مرة أخرى، لأن ملابسي السوداء معدودة ولا طاقة بي لشراء غيرها.
لكن بشكل ما، ما قالوه كان له وجاهة، تستمر الحياة، ولا يتوقف العالم، ولا حتى عالمك أنت.