في يوم شديد العادية وقفتُ بعينيَّ المنتفختين وحقيبة ظهري التي أحمل فيها العالم، في انتظار الميكروباص المناسب. تعبر الميكروباصات بسرعة كبيرة في وسط ”التُمنايات“، التي خُلقت لتسير في الاتجاه المعاكس، بالكاد أستطيع ترجمة المنطقة التي يشيرون إليها.
بعد عدة محاولات نجحت في تأمين مقعد بجوار السائق وغرقت في فوضى أفكاري والمدينة.
فكرت في بلاد أخرى صامتة، حيث من شدة صمتها يمكنك أن تسمع صوت أمعائك بوضوح، والأسوأ من ذلك صوت أفكارك. أنقذني من أفكاري راكب جديد، في الخمسين من عمره أو هكذا تخيّلت شكله من صوته، لم يتوقف الرجل عن الكلام لحظة بعد سحبه للباب.
”إيه ده هي بقت بعشرة؟ أنا لسه جاي ب٨ الصبح خد بالك“
توقعت أنها الخناقة المعتادة لزيادة الأجرة لكنها لم تكن.
”أنا ألاقيلك فكة منين بقى ولا استنى بص اهه لقيت، صباح الفل عليك“
ابتسم السائق المتجهم من بداية الطريق، والتفت الرجل إلى راكب آخر وبدأ في الحديث بلا انقطاع. ”أصل أنا بركب ٤ مواصلات كل يوم عشان أروح الشغل وزيهم وأنا راجع، فهجيب الفكة دي كلها منين بقى، أنا بشتغل هنا من ١٤ سنة، أيام ما كانت أكتوبر دي صحرا قبل كل الكلام اللي انت شايفه ده ما يتبني“
جذب الرجلُ انتباهَ السائق وأصبح يبادله الحديث.
من بين كل مهارات الحياة أنبهر كل مرة بمن يستطيع مصاحبة سائق متجهم أو ريسة التمريض في مستشفى حكومي.
أراقبهم يتخطون العقبات بسهولة نحو هدفهم كقطة تتجاوز الزجاج المكسور بملل ورشاقة وكأنه شيء عادي. تبقى موظفة الغياب حلمًا صعب المنال، لم أرَ أحدًا يصل إليه على الأقل دون أن يفقد كرامته.
”حط بس انت الشنطة دي لحسن هتقع“
يبادر الرجل في مساعدة الراكبين والواقفين في الطريق، في مهمة يأخذها بشكل رسمي وهي ألا يتوقف عن الكلام، كأنه لو سكت يغرق.
مُبهر كيف يلتقط جملته الحوارية التالية بهذه السهولة!
”مفيش دائري من هنا دلوقتي، مفيش لا“
أنا أيضًا أخاف الصمت لأنه يعني الوحدة، طالما أن هناك صوتًا حولي فأنا لستُ وحيدة.
في محاولاتي لتذكّر مشهد آمن يظهر أمامي شكلي في غرفتي الصغيرة أستسلم للنوم بينما أسمع صوت أهلي في الصالة ووميض التلفزيون يظهر على جدار سريري.
أصبحت هذه طريقتي المفضلة للنوم حتى إني بتُّ أطلبها بالتحديد، ملَّ أبواي الطريقةَ مع الوقت، فأصبحت أنا أختار القناة المناسبة قبل نومي، أخفض الصوت، وأختبر الوميض على جدار سريري، بعض القنوات يتحرك وميضها سريعًا بشكل مزعج.
اكتسبت خبرة فائقة في مراوغة الوحدة بالصوت الخافت ووميض التلفزيون، حتى إني إذا استيقظت فجأة في الليل أستطيع تحديد البرنامج أو المسلسل من تغيُّر لون الجدار، والذي بدوره أصبح تحديًا مفضلًا لديَّ.
”إنت خدت بالك عمل إيه، شعب غريب والله“
يقهقه الرجل فجأة وسط حديثه جاذبًا إيايَ من أفكاري من جديد، تُرى ماذا يكون عمله غير أنه وميض تلفزيون مناسب لدحض الوحدة؟
اقتربتُ من مكان وصولي فأشرتُ للسائق. عند نزولي سمعت: ”يا آنسة!“ وجدت السائق يعطيني فرشة أسنان أرجوانية سقطت من حقيبتي.
في مدينة أخرى أقل عبثية كان من الممكن أن يناولني نظارة أو محفظة، لكن هنا -في القاهرة- تبدو فرشة الأسنان مناسبة تمامًا.
وقفت على الرصيف بعينيَّ المنتفختين وحقيبة ظهري التي أحمل فيها العالم وفرشة أسنان أرجوانية، أنتظر من الراكب ألا يخيّب ظني ويلتقط جملته التالية. نزل الرجل بخفة من مكانه وركب مكاني ثم صاح قائلًا:
”يلا بينا عرابي، إسعاف!“
يبدو أني لا زلت أُجيد التخمين.