⁠العاشرة مساءً
٦٦١ كلمة

عندي هواية التفتيش في سجل قشّات الغريق الخاص بي على مرّ زماني، إيمانًا بأن ما تبحث عنه قد يبحث عنك، وأملًا في الوصول. لا إلى برّ، ولا إلى أرض ما، لأنني لست طمّاعة بما يكفي، أو لست مؤمنة بما يكفي. لكن ربما إلى قشّة.

قشّة واحدة.

طوال عمري كله، لم ينقذني شيء كما أنقذتني الصداقة.

أتذكر حديثي الأول مع يحيى، فتى الإسماعيلية الطيب. غابت عن ذهني بدايات أحاديثنا، لكنني أتذكر جيدًا أنني أخبرته، في أول حديث بيننا، أن جنوني قد يُجنّ إذا أعجبتني أغنية ولم أستطع أن أجد لها حكاية.

في تلك الفترة، كنت متيّمة بحكايات الأبنودي. المرة التي اختطفه فيها عبد الحليم حافظ فقط ليكتب له غنوة، والمرة التي جاءت فيها ماجدة الرومي من آخر الدنيا إلى الإسماعيلية كي تستسمحه أن يكتب لها كوبليهًا إضافيًّا من أغنية «بحلف بسماها وبترابها»، لأنها كانت متيّمة بها.

أتذكر جيدًا ردّ الأبنودي: «ربنا يسهل، أصل أنا مابكتبش، أنا بصحى ألاقيهم تحت المخدة».

كان الأبنودي ابنًا للصعيد، من قنا، ثم تقهرنت ملامحه سعيًا وراء الغنوة والكلمة.

ذكر الخال مرارًا أنه اختار الإقامة في الإسماعيلية لأن الطبيب نصحه بالابتعاد عن هواء القاهرة، لكن الأمر أثار فيّ فضولًا بريئًا: لِمَ الإسماعيلية بالذات؟

حين توطدت علاقتي بيحيى، لمست ما جعل صداقتنا سهلة الحدوث. كنت أنا ويحيى نتعامل مع الإسماعيلية ودمياط معاملة الترانزيت. المكان الذي نقيم فيه، بل ونشأنا فيه، ليس إلا مكانًا للهروب منه.

القاهرة هي الوجهة.

القاهرة هي العمل.

القاهرة هي الأمل.

القاهرة هي حُبي وحياتي وغنوتي.

أما هذه المدينة، فتحاوطني. تمد يدها وأشجارها وناسها وقططها وبحرها لتحاوطني. تكاد تبتلعني.

أتذكر جيدًا اليوم الذي انتهت فيه الثانوية العامة. صعدت إلى الطابق الثاني من البيت، حيث يقيم أخي المقرّب، وأخبرته بأنه لم يعد هناك، من الآن، شيء يربطني بهذه المدينة، وأن عليه أن يستعد ليساعدني في التحضير والذهاب إلى القاهرة.

«هتعملي إيه هناك؟»

«ماعرفش. ومش مهم.»

التاسعة عشرة مجنونة.

بعد فترة من الزمن، ربما ثلاثة أعوام، حدث شيء ما. لا أعلم ماهيته، لكنه حدث.

ربما اكتمل نمو جزء ما في عقلي، ربما ناداني البحر، ربما حكايات عمو محمد، صاحب كافيه القلب الطيب، ربما يد مرمر تتسلل إلى شعري لتعمل لي ضفيرتين، وربما، وهذا احتمال أرجح، السنوات الستون التي أتمّتها ماما قد غيّرت شيئًا ما بداخلي.

استغرق الأمر مني أربعة وعشرين عامًا. أربعة وعشرين عامًا لأفهم، أربعة وعشرين عامًا لأتقبل، أربعة وعشرين عامًا لأرى، ليس فقط ما اخترت أن أخبئه في قلبي، بل ما شكّل الطينة الأولى لهذا القلب من الأساس.

وفي محاولة لمعالجة الضرر اللاحق بعلاقتي بهذه المدينة، حاولت أن أخطو تاتة تاتة، كمن تعلّم المشي لتوّه.

قرأت عن الأويما، وتراث الصيادين، والحملة الصليبية، والزفة الدمياطية، والتقاء البحر بالنهر، وعزيزة أمير. وعن جدي وجدتي وعيلة ماما، وخالو سمير، الرجل الذي سرقه الموت لأنه كان أرقّ من أن يحيا.

وبالتوازي، بدأت الإسماعيلية ترمي ليحيى حبلًا وتشدّه لجُوّا، وهو يسيب لها نفسه كمان وكمان، كما كان يخبرني. أصبح يرى المدينة بوصفها جزءًا مؤسسًا لتكوينه الداخلي.

يحيى من إسماعيلية. يحيى بيحب إسماعيلية.

بات يقرأ عن فترات الإنجليز والفرنسيين، ويسأل عن سبب اختلاف المباني الخشبية في حي الإفرنج عن تلك الموجودة في حي العرب.

كيف استخدم الشعب السمسمية رمزًا للمقاومة؟ ماذا كانت تمثل قهوة المثلث في السنوات التي أعقبت النكسة؟ وهل فعلًا:

عضم ولادنا نلمه نلمه
نسنّه نسنّه
ونعمل منه مدافع؟

وللمرة الأولى، كان لديّ امتنان لجرح ما خاص بغيري، فقط لأنه جرح مشترك.

جرح جعلني، وللمرة الأولى، مفهومة دون أن أتكبد عناء شرح كيف يمكن أن تحاربك مدينة كاملة. أن تقف أمامك كأنك نِدّ. كأنك قدّها وقدود، وتقول لك: سيب وأنا أسيب.

منذ سنتين، عقدت أنا ويحيى اتفاقًا على أن «كل واحد منا في قلبه حكاية». عليه أن يصونها ويحفظها، ثم يخرجها تتشمّس وينفض الغبار عنها من حين لآخر.

واتفقنا أيضًا على أنه حين تعطينا الدنيا الفرصة لنحكي، سنحكي. بالنيابة عن كل من في قلبه حكاية. عن الناس. سنكون صوتهم وقلبهم.

«وملعون الفن لو مش للناس وعن الناس»، أضاف يحيى.

أمس، بينما أتجول في حي من أحياء المعادي القديمة، شممت رائحة البحر. لم تكن الرائحة موجودة فعلًا، لكن الاشتياق قادر على خلق العجائب.

أمسكت بهاتفي، فتحت قائمة الفيديوهات المصورة مؤخرًا، ثم اخترت فيديو لأمواج المدينة عند الغروب. ابتسمت، وبصراحة بكيت قليلًا. ثم قلت في نفسي: مفيش زي البيت.

شارك