الثانية ظهرًا
٩٦٧ كلمة
شهدت أذان الفجر مرات عديدة، لكن وقعه كان مختلفًا حين رأيته يخترق سكون الليل متبوعًا بخيوط الشمس التي تتسلل في هدوء إلى تبة عالية أراقب منها العالم،

وتساعدني على مقاومة رعشة برد قاسية ابتكرت طرقًا مختلفة لمواجهتها منذ أن التحقت بـالخدمة العسكرية.

في هذه اللحظات، تشعر باتساع يغمرك تدريجيًا، ويسمح لعقلك بالتحليق يمينًا ويسارًا، لأعلى وأسفل. تستعرض الماضي، وتفكر في المستقبل. تلمس الفوضى داخلك بعين أصبح بصرها حديدًا.
لكنها دقائق معدودة، وستدب الحركة في المكان لتعود إلى ما كنت عليه. سيمضي الوقت، وتنتهي النبطشية، ويسمح لك بدخول غرفتك، والاختلاط بزملائك. وهؤلاء قصة أخرى.

صديقي صاحب البرج

عرفته ونحن ذاهبون لاستلام خدماتنا بعد انقضاء فترة التدريب. كان اليوم طويلًا ومرهقًا ومليئًا بالإجراءات الروتينية؛ لذلك عندما وقفت في نهايته أنظر إلى محل خدمتي في البرج ذي السلم المرتفع، اجتمع التعب مع رهبة التجربة الأولى، وفضلت الانتظار قليلًا.

– حد يستلم البرج مكاني

= يرد أحدهم مبتسمًا: بتبقى صعبة شوية في الأول

– اه

= تمام، هستلم أنا

كان ذلك أول معرفتي به، تقاسمنا بعدها غرفة صغيرة رفقة مجموعة من المجندين، لأبدأ في استكشاف عالم جديد ترى فيه نفسك بوضوح دون تشتيت، وتبصر الآخرين كما هم، بلا فلاتر أو طبقات عازلة.

يقولون إن الخدمة العسكرية تصنع الرجال، بمعنى أنها تجبر النواقص، وتزيد الذكور بأسًا، لكن في رأيي أن دورها الأكبر يكمن في تعريتهم أمام أنفسهم، ووضعهم في مواجهة مع نقاط قوتهم وضعفهم، فيصبحون أكثر وعيًا بذاتهم، وبموقعهم بين الجميع الذين يتعرون أمامهم بنفس الكيفية.

لم أفهم قبل ذلك مقولة البعض بأن فلانًا ”وشه مريح“، لكني استوعبتها تدريجيًا من خلال معاشرة صديقي صاحب البرج. كان يستيقظ مبكرًا للغاية ويتم عاداته الصباحية سريعًا ثم يأتي لتبديلي في الموعد المحدد دون تقديم أو تأخير.

وبمرور الوقت، نشأت بيننا ألفة قطعها تغير طارئ في جدول الإجازات، لأتركه عائدًا إلى المنزل بعد فترة طويلة من الشقاء، ولينقسم مسارنا منذ ذلك الحين. لكنه واظب على مهاتفتي بين الفترة والأخرى، ليحتل بذلك مكانة الصديق البعيد الذي تكفي مواقف معدودة، واتصالات متقطعة لبناء صداقته.

انسابت الأيام ببطء يشبه انسياب الضوء بين ثنايا السماء بعد الفجر. لم أعد أهاب تسلق السلالم المرتفعة، بل أحببتها وأحببت الوقوف داخل هذه الأبراج التي تسمح لي برؤية الوجود من أعلى.
أمضيت وقتًا طويلًا أنظر لأسفل باحثًا لنفسي عن موطئ قدم وسط تلك الكتلة البشرية الصاخبة.

هل سأجد عملًا مناسبًا بعد انتهاء فترة الخدمة العسكرية؟

هل كنت مخطئًا عندما قررت الدراسة في الكلية التي مكثت فيها أربع سنوات كاملة؟

هل سأتمكن من مواجهة الحقائق التي تنتظرني وربما أجهل بعضها حتى الآن؟

لكن الوقت مر كأنه يعفينا من التفكير في هذه الأسئلة التي لا إجابة لها. وقبل أيام من النهاية، التقيت صديقي صاحب البرج بعد أشهر من الغياب، جمعتنا مصافحة خاطفة.

مضت بعدها الساعات سريعًا، لنجد أنفسنا نتنقل بين النوافذ المختلفة، نتعجل الإمضاءات والأختام، ونلتقط الصور التذكارية مع شهادة إتمام الخدمة العسكرية التي ضمها كل منا إلى صدره، وسلك طريقه إلى عشه.

كان أحدهم معنا

إذًا هي المعركة، فلنكافح من أجل البقاء، ولننخرط في الحياة المعاصرة ونلمس سحرها. لهذا السحر أوجه عديدة، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي التي تجذبك في رفق، وتغوص في رأسك، فتضعها بين مشاعر متناقضة لا يفصل بينها إلا ثوانٍ معدودة.

احتكاك سريع، لكنه ذو أثر غائر. ولكم كانت صدمتي غائرة حين رأيتهم ينعونه. نعم، إنه صديقي البعيد الذي فارق الحياة بعد شهرين فقط من عودته إلى الحياة المدنية.

أدركت حينها أننا لم نكن بمفردنا في ذلك العنبر الواسع ذي الجدران الصفراء والإضاءة الهادئة. لقد كان أحدهم معنا، يتلصص علينا من خلف بوابته الضخمة،
وربما دفعها في ساعة متأخرة من الليل، ليدور بين الأسرة، ويكشف الغطاء عن وجوهنا واحدًا تلو الآخر، يتطلع فيها طويلًا، ثم يخرج.

لم نأخذ الموت أبدًا على محمل الجد، أو هكذا كنا نظهر لبعضنا البعض، استقبلناه بسخرية كما اعتدنا أن نستقبل كل شيء تقريبًا.

أمضينا ساعات طويلة في نقاشات عبثية نملأ بها الوقت الذي ظنناه ممتدًا بلا نهاية، تحدثنا عن كل شيء وأي شيء، عن الفرح والحزن، الأمل واليأس، ملل الانتظار وفرحة الوصول، انقباض القلب وتنفس الصعداء.

وسعت جلستنا العالم بأسره، لكنها لم تتضمن الموت قط.

رحل صديقي البعيد دون الرابعة والعشرين، كان يتأمل العالم من نافذة البرج مثلما كنت أفعل، هل كان من الممكن أن تأتيه رصاصة مفاجئة فيسقط في الحال؟ بالتأكيد، لكن الموت أمهله حتى ترجل عن جواده، ثم فتك به على سريره.

عندما علمت برحيله، تذكرت الموقف الأول الذي جمعني به، وتذكرت السلم المرتفع الذي كنت أخشى صعوده، ولا أعلم أن ضيفًا ثقيلًا ينتظر أحدنا أسفله.

لكنني الآن لا أخشى صعود السلالم!

أتسلق السلالم المرتفعة بمختلف أشكالها، ولا أجد مشقة في الصعود مترجلًا إلى الأدوار العليا داخل البنايات. في إحدى المرات، صعدت أحد عشر طابقًا بنفسي لأنني لا أريد أن تكون نهايتي داخل مصعد ضيق انقطعت عنه الكهرباء!

خلال رحلات الصعود والهبوط المختلفة تتسع عيناي، وأتذكر وجوهًا عديدة بما في ذلك وجه صديقي البعيد الذي لم ير الكثير.

البحث عن عمل دون أدنى خبرة ..

رهبة تجربة العمل الأولى وما تصاحبها من مشاعر مختلطة غامضة

.. اللحظة التي تستوعب فيها أن متاعب الخدمة العسكرية لا تمثل شيئًا مقارنة بما بعدها ..

تأمل المقادير التي حملت لطفًا وقسوة في آن واحد ..

المجهود المبذول في ضبط مشاعرنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين ..

الشعور المفزع بتسرب الزمن ..

مراقبة الشيب وهو يغزو رؤوس الأبوين ..

إدراك وقاحة العالم خارج منزلك الصغير ..

مرارة اكتشاف الأخطاء ومحاولة إصلاحها ..

التحديق في الفراغ لاستشراف الأيام القادمة ..

التأرجح بين الطموح غير المحدود والاكتفاء بالمشاهدة من موقع المتفرج ..

متابعة أخبار الحروب وأنهار الدماء ..

التعرف على الجانب المظلم من الحياة ..

لحظات النجاح التي تجدد أرواحنا ..

الابتسامات البريئة ذات التأثير الساحر ..

مشاعر الامتنان والسعادة الغامرة التي تساعدنا على مقاومة لحن حزين يتسلل إلى نفوسنا في خفة.

لم ير صديقي ذلك كله.

هل هو محظوظ؟

لا أعلم، لكن الثابت أنني ما زلت على المسرح، ولم ينتهِ العرض بعد.

سنطرق جميع الأبواب، وسنتحرك سريعًا قبل أن يسدل الستار.

سنتشفع بالأنبياء، ونتمتم بالدعاء على أمل أن يأتي المستقبل حانيًا.

والأهم أننا سنصعد السلالم بين الحين والآخر لنستطلع مواقعنا كما يفعل المجندون، ربما تشرق الشمس فنشعر ببعض الدفء.

لكن يجب أن نتذكر دائمًا أن أقدامنا قد تزل فجأة، فنسقط من على الحافة وتنتهي قصتنا مبكرًا..

كما انتهت قصة صديقي البعيد.

شارك