⁠العاشرة مساءً
٩٦٦ كلمة

TRIGGER WARNING

منذ أسبوعين، بوتيرة منتظمة وإيقاع ثابت، وفي نحو الواحدة أو الثانية صباحًا، تتسارع دقات قلبي فجأة. أستعين بجهاز رقمي حديث اشترته أمي قبل أشهر عدة لمتابعة قياسات ضغط الدم يوميًا. أتتبع نبضات قلبي، أراقبها من الثانية الأولى حتى الستين: حوالي مائة وعشرين نبضة في الدقيقة الواحدة!

أشعر بكتلة دموية ساخنة تكاد تنفجر في رأسي، يتصاعد النبض كدخان كثيف من صدري نحو مُقدمة رأسي وجانبي الجمجمة. يغيب النوم عن المشهد كليًا، أمنح صدري مسحتين بيدي اليمنى عله يهدأ وأنام لبضع ساعات.

تراودني فكرة مجنونة: شيء آخر من مقتنيات أمي يمكنني استعارته، حبات نورفاسك 5 التي تستخدمها لخفض مستويات ضغط الدم إلى ما دون المائة والثلاثين. أربع حبات تكفي لإيقاف هذه النبضات المتسارعة، آن لقلبي أن يهدأ قليلًا.

كل شيء حولي اكتسى برمادية خانقة: الستائر، ملاءة السرير، ساعة الحائط، وعبوات كريمات الترطيب، وعطر الفانيلا المفضل لدي، وأقلام أحمر الشفاه البعيدة كليًا عن اللون الأحمر.

أنفاس أمي تعلو، تمنحني الإذن لابتلاع أقراص النورفاسك قبل النوم دون أن تكون هناك فرصة للنجاة: غسيل معدة سريع أو إجباري على تقيؤ أقراص الدواء. للموت بعد الثانية صباحًا مذاق خاص!

كانت يدي ترتعش كلما اقتربت من الكيس البلاستيكي الأبيض، الذي تحفظ فيه أمي أكثر من خمسة عشر شريطًا وعبوة من الأقراص والكبسولات للضغط والكلى والأعصاب والقلق المزمن. دقيقة واحدة كانت كافية لتُوقِف الطواحين الدائرة في رأسي، توقفني عن قضم أظافري وطقطقة أصابعي، لكن لا أدري لماذا تراجعت؟!

ربما كنت خائفة من أن يوقظ صوت الكيس البلاستيكي أمي فتراني وأنا أنت*ر، أو لأكون أقل حِدة وصراحة، وأنا أُسكت الأسئلة في رأسي وإلى الأبد… لم أفعلها، كنت أضعف من ذلك، وكعادته تمرد الموت عليَّ هذه المرة أيضًا.

بعد جولة سريعة على حسابات أشهر الأطباء النفسيين في مدينتي الساحلية الصغيرة، وقع الاختيار على طبيب أربعيني ذي شعر أسود مُجعد وكثيف. لم أرغب في تكرار زيارات الطبيبات، لم تعد النساء عونًا لبعضهن، أو هكذا تخبرني التجارب السابقة.

الموعد المتاح كان بعد ثلاثة أيام، ثلاث محاولات جديدة لكتم الأصوات الأنثوية الحادة التي تطلقها مقدمة رأسي من حين لآخر: صرخات، أنين متقطع، نحيب لا يتوقف، ونزيف لدم ساخن، تتسرب حرارته تدريجيًا إلى فروة رأسي، تصبغ البصيلات والشعيرات ثم الأطراف برمادية تشبه رمادية الأشياء من حولي.

لماذا أنا هنا، ما زلت هنا، أشعر بحرارة الجو، سكون الليل وأنفاس أمي وزفراتها العالية؟ سؤال لم يترك رأسي طيلة الأيام الثلاثة التالية، وكأنني أترك لنفسي فرصة أخيرة، حُجة جديدة لأبقى على قيد الحياة، لحين اللقاء الأول مع طبيبي الجديد.

ربما لأنني كنت أبحث عن شخص لا يعرفني، أكشف عن جميع أوراقي أمامه، أنزع عن روحي كل ما يؤرقها، أحكي ثم أحكي ولا بأس بقليل من البكاء، أو الصراخ إذا كانت مساحة حجرة الكشف تسمح بذلك.

أفصح جسدي عما كنت أخفيه، تخونني دموعي الساخنة وتنسال على وجهي رغمًا عني، في الطرقات والحمام وغرفة النوم، وأمام أسرتي. لم أتوقف عن البكاء لأيام طويلة.

شعرت بشيء ثقيل يسد أمعائي، يد غليظة تقبض على معدتي، تمنع عبور الطعام والمياه إليها. كل وجبة تشبه الأخرى في مذاقها، في الحقيقة لا مذاق بالأساس لأي منها.

أبتلع الطعام إرضاءً لأمي أو شقيقتي، فتملؤني الرغبة في طرده. نحل جسدي وشحب جلد وجهي، أتحسس عظام القفص الصدري البارزة، وأكاد أحصي فقرات ظهري ببرودتها الملحوظة كبرودة أطرافي وأنفي.

كل محاولة للنهوض من سريري أو أريكتي البنّية الناعمة كانت تنتهي بالفشل، تمامًا كمحاولات موتي التعيسة.

كانت قدماي ترتعشان كلما صعدت درجة من سلم العقار الذي تقع العيادة في طابقه الثاني. أريد العودة إلى البيت، لا أتحمل الكم الهائل من الأسئلة، هكذا يفعل الأطباء النفسيون: أسئلة كثيرة وإجابات مختصرة.

تزدحم العيادة بالمرضى من الأطفال والعجائز وشابين فقط. كان دوري السادس أو السابع، انتظرت لأكثر من ساعتين، أنتفض عن الكرسي ثم أعاود الجلوس ثانيةً، جميع الأعين تراقبني.

أطفال مصابون بالتوحد أو التأخر العقلي أو فرط الحركة. شاب نحيل شديد السمرة جلس على الكرسي المقابل لي، بدت عليه ملامح الريبة والخوف، يضم ساقيه ويعصر كفيه بقوة.

تحاول أمه تهدئته فيُباعد يديها لينزوي على حافة الكرسي ويستند برأسه إلى الحائط. الأجواء خانقة والحرارة مرتفعة، كل شيء يدفعني إلى الهرب، لكنني آثرت البقاء.

انتقلت من حرارة شديدة إلى برودة لا تُحتمل، نحو غرفة الكشف في نهاية الممر الطويل: جدران بيضاء وأثاث بني داكن، جهاز رسم أعصاب وأجهزة كمبيوتر مسطحة تتراص متجاورة.

صوت هادئ يأمرني بالدخول. يستشعر طبيبي الجديد القلق والتردد في خطواتي الثقيلة نحو مكتبه المستطيل الذي يحتل مساحة كبيرة من الغرفة.

بنصف ابتسامة وقلب ينبض بسرعة جنونية، اقتربت من مكتبه. كلمة واحدة كانت كافية لأسترسل في الحديث دون أن أدري.

وجه الطبيب الساكن ذو التعبير الثابت، حتى عندما قال لي ”مالك“، هو ما دفعني إلى الحديث، وسرد تفاصيل وأحداث غير مرتبة. لم أدرِ ما كنت أقول، فقط أتحدث، أرتعش، أقضم أظافري، أطقطق أصابعي تارة وأنقر على المكتب تارة أخرى.

لم يسألني الطبيب أي سؤال من الأسئلة التي أعددتها في ذهني خلال جلوسي في غرفة الانتظار. حكايات مرت عليها سنوات، ظننت أنها طويت أو نجحت في وضعها داخل غرفة عقلي المُظلمة، التي وضعت فيها صور والدي وأقاربي وصديقتي القديمة. جميع القُساة صورهم هناك.

لا وقت لدى الطبيب، نصف ساعة أو أربعين دقيقة فقط، وبنظرة ثاقبة بعيني اليمنى، أطلق الطبيب كلماته الأولى: ”شوفي إنتِ نتيجة تراكمات على مدار سنوات طويلة، للأسف كل العلامات تشير لاكتئاب حاد، أو لنكون متفائلين، بداية اكتئاب“.

مجموعة نصائح حاولت ابتلاعها لحين انتهاء الجلسة العلاجية. ولأن دقات قلبي تتسارع أكثر من المعتاد، نصحني بتناول حبتين من أقراص أندرالللتخفيف من هذا العرض المُزعج.

راقبت يده وهي تكتب اسم الدواء الأول ثم الثاني ثم الثالث، نصحني بألا أتوقف عن تناول هذه الأدوية إلا باستشارته. ضحك وقال: ”الأدوية دي هتخليكي شوية عندك لامبالاة، محتاجة تكوني هادئة قدر الإمكان وسعيدة“.

طوال سنوات حياتي الإحدى والثلاثين لم أعرف كيف تبدو السعادة الكاملة، لكني أعلم جيدًا ما هو الحزن المُكتمل. هل ستجلب لي هذه الكبسولات الصغيرة السعادة؟! ربما، لم لا؟!

انقضى الأسبوع الأول ثم الثاني، ولم تفلح محاولاتي في الضحك أو البكاء: ضحكات متقطعة، نصف دمعة عالقة أسفل الجفن. انتظمت دقات قلبي وهدأت حدتها، قاربت ثمانين نبضة في الدقيقة الواحدة.

قفزت الرمادية من الأشياء حولي لتسكن داخلي، لا حزن، لا سعادة، لا خوف ولا جرأة، فقط ساعات أحصيها لينتهي يومي وأبدأ يومًا جديدًا لأحصيه.

شارك