⁠العاشرة مساءً
٤٣٦ كلمة

صديقي ريتشارد باركر..

أشاهد الأفلام بكثرة قد تبدو غير مبررة، وربما يكون ذلك لتشتيت ذهني وتفكيك الوقت المتكدس في رأسي، لكن غالبًا ما تبقى أفلام معينة عالقة في ذاكرتي لشهور أو سنوات، لأسباب أجهلها أو أتجاهلها. ربما لأنها لامست جرحًا أو شعورًا دفينًا متخفيًا خلف طبقات المشاعر اليومية الكثيفة.

شاهدت قبل أكثر من ستة أشهر فيلم Life of Pi، وطوال هذه المدة بقي الفيلم عالقًا في رأسي. في البداية، كنت منبهرة بالتصوير السينمائي لأمواج البحر المتلألئة العالية، وقلقة على الفتى الصغير من النمر ريتشارد باركر، لكن ظل سؤال آخر يشغل بالي:

كيف يمكن أن يتعايش الإنسان مع ما يخافه؟ وكيف يمكن أن يكون هذا الخوف تحديدًا هو سبب نجاته؟

أعطاني ريتشارد باركر الإجابة.

أدهشني تعامل الفتى الصغير طوال الفيلم مع كل الأهوال: نمر بنغالي وسط بحر هائل. قاوم باي الوضع في البداية، وقاوم خوفه أيضًا. لكن في مرحلة ما، أدرك أنه لن يستطيع أن يقتل النمر، ولن يستطيع أن يهرب منه.

كان عليه أن يتعايش معه.

وأظن أن شيئًا ما تغير عندها.

لم يتغير البحر، ولم يختفِ النمر، لكن المكان بدا كأنه اتسع قليلًا. بدأ باي يرى أشياء كانت موجودة حوله أصلًا، لكنه لم يكن يراها وهو منشغل بالخوف والمقاومة.

أدوات، واحتمالات، وأشياء تعلمها من قبل. كأن التعايش لم يغيّر ما حوله بقدر ما غيّر الطريقة التي ينظر بها إليه.

أكثر ما ظل عالقًا في رأسي من الفيلم هو المشهد الأخير، حين وصلا أخيرًا إلى الشط ودخل ريتشارد باركر الغابة، وبقي باي واقفًا ينظر إليه.

كلما تذكرت المشهد، وجدتني أفكر في الماضي بالطريقة نفسها. أعود إلى أشياء كنت أظن أنني لن أستطيع العيش معها، وأنظر إليها الآن من بعيد.

أبحث عن نفسي التي كانت هناك، عند احتمالات الغرق القديمة التي ظننت أنها ستتحقق كلها، وعن كل ما كان يجعل الأشياء تبدو وقتها كأنها ستبقى إلى الأبد، فلا أجدها.

أجدني أنا فقط، أنظر.

لا أعرف متى نشأت هذه المسافة، ولا كيف نشأت. لم أستيقظ يومًا لأجد أنني انتهيت من كل شيء. فقط، في كل مرة أعود فيها إلى الماضي، أكتشف أنني لم أعد أغرق بالطريقة نفسها.

ربما ظل ريتشارد باركر في رأسي كل هذه الأشهر لأنني لم أكن أفكر في نمر. كنت أفكر في الأشياء التي أخاف منها، الحزن والوحشة والألم، والتي لم أستطع قتلها، ولم أستطع تركها تلتهمني.

الأشياء التي سأضطر، بطريقة أو بأخرى، إلى أن أتعلم كيف أعيش بجوارها.

لكل منا ريتشارد باركر الخاص به.

وكأن الفيلم، دون أن أعرف، كان بداية صداقة مع ريتشارد باركر الخاص بي. ربما التعايش لا يعني اختفاء الخطر. ربما يعني فقط أنني بدأت أراه من زوايا متعددة، وأنني أعرف أن المسافة بيني وبينه تمتد وتتقلص.

رسالة شخصية إلى ريتشارد باركر:

صديقي ريتشارد باركر.. ربما لا أراك دائمًا الآن، لكنني أعرف أنك موجود، ولا بأس بذلك.

شارك