⁠العاشرة مساءً
٢٩٩ كلمة

هناك شعور بالغ القسوة يشبه الوقوف خلف زجاج عازل؛ ترى الجميع بوضوح، تسمع أصواتهم، تشهد تحركاتهم، وتعرف تفاصيل ما يدور خلف أعينهم، لكن حين تمد يدك لتلمسهم، لا تصادف سوى سطح أملس وبارد.
هذا هو ”عدم التقدير“.
لكنه لا يعني فقط أن جهودك ذهبت أدراج الرياح، بل يعني أنك وُضعت في منطقة مظلمة لا هي بالقريبة التي تُرى، ولا بالبعيدة التي تُنسى.

المشكلة لا تبدأ بغياب الإشادة أو الشكر المباشر، بل تبدأ أبكر بكثير؛ حين تكتشف أن الصورة أصبحت باهتة إلى درجة أن وجودك صار تلقائيًا…
تقدم عصارة فكرك، ووقتك، وأعصابك، ثم يُنظر إلى كل ذلك باعتباره ”الوضع الطبيعي المفروغ منه“.

تصبح شريكًا في كل تفصيل، سندًا في كل أزمة، ومع ذلك حين تُرسم حدود اللوحة أو يُوزع الضوء، تجد نفسك خارج الكادر تمامًا.
لأنهم يرونك فقط بالقدر الذي يناسب مصالحهم…

صورتك لديهم ليست سوى ظل باهت، ووجودك بالنسبة إليهم مجرد أداة مريحة تكتمل بها ديكورات حياتهم اليومية.

ثم تبدأ باستجواب نفسك: ”هل أنا موجود حقًّا؟ أم أنني أبالغ في توقعاتي وأطلب ما لا أستحق؟“

تتخبط بين الرغبة في الصراخ وإثبات الحضور، وبين الرغبة العميقة في الانسحاب التام والصمت إلى الأبد.

المضحك أنك تستهلك الكثير من طاقتك لتوضيح الصورة لشخص اختار مسبقًا أن يغمض عينيه.

تظل تشرح مبرراتك، وتبرهن على قيمتك، وتستعرض حجم نزيفك الداخلي، لتكتشف في النهاية أنك كنت تتحدث لغة لا يفك شفرتها، وكأنك تحفر في الماء.

التوقف عن انتظار التقدير في بيئة غائمة ليس هزيمة، بل هو أول خطوة نحو استعادة البصر واليقين.

اللحظة التي تدرك فيها أن قيمتك لا تُقاس بعدسات الآخرين هي اللحظة التي تتوقف فيها عن الوقوف في منتصف الغرفة بانتظار تصفيقهم.

تلمس أطرافك، وتدرك أنك لست في حاجة إلى إذن من أحد لتكون حقيقيًا، ولا إلى ومضات كاميرات عينية لتعرف وجودك بظله.

تحتاج فقط إلى المغادرة، والذهاب إلى حيث يُرى الإنسان بشرًا كاملًا، لا كظلٍّ طارئ على حافة الحكاية.

شارك