⁠العاشرة مساءً
٣٣٧ كلمة

نحن نؤمن بوهم ساذج: «طالما ننظر إلى الموقف نفسه، فنحن نعيش الحدث نفسه».
نقف في الغرفة ذاتها، نسمع الجملة ذاتها، نمر بالتجربة ذاتها، ثم نُصدَم حين يخرج كل منا برواية مغايرة تمامًا، فنصرخ في وجه بعضنا: «كيف لم ترَ الأمر كما رأيت؟!».
الحقيقة أننا لا نعيش أبدًا في الواقع الموضوعي المجرد. نحن نسكن دوائر إدراكنا الخاصة؛ كلٌّ منا يسكن عالمه الخاص المصنوع من تجاربه، مخاوفه، هسيس أيامه القديمة، وجرحه الذي لم يلتئم.

في نظرية إدراك الواقع بين الأفراد، حين تتقاطع مع أحدهم في الأفكار، أنت تقابل جانبًا واحدًا من هذا الشخص. لأن ما تعدّه أنت «بديهيًّا تمامًا ومقطوعًا به»، يراه الآخر مجرد شيء غامض وغريب. أنت تستميت دفاعًا عن زاوية لا يرى منها هو سوى جدار أصم.

ما يفسره هو على أنه «تجاهل مقصود أو برود»، هو في عالمك مجرد إجهاد عابر أو صمت لا يُقصد به سوى التقاط الأنفاس.
حين نظن أننا متفقون تمامًا لمجرد أننا نستخدم الكلمات ذاتها، يعيش كل منا في قارة من المعاني المختلفة تمامًا.

الخراب الحقيقي في العلاقات، وفي السعي الإنساني عامةً، لا يبدأ من اختلاف الزوايا، بل من التمركز حول الذات والإيمان بأن زاويتك هي الحقيقة المطلقة وأن الطرف الآخر «معاند أو مكابر».
لأنه حين تتعامل مع الطرف الآخر بمنطقك وحدك، يتحول النقاش إلى محاكمة.
وحين تظن أنك تفهم ما يدور في عقله دون سؤال أو إنصات حقيقي، فأنت تخترع فيلمًا دراميًّا كاملًا وتغضب بسببه وحدك.

لكن تأتي لحظة تدرك فيها أنه لا يمكن إجبار الآخر على دخول دائرتك والنظر من مقعدك، بل يجب أن توسع المنطقة المشتركة بينك وبينه؛ تلك المساحة الصغيرة الصعبة التي يتنازل فيها كل منا قليلًا عن يقينه وبعض من أفكاره، ليمد يده إلى عتمة دائرة الآخر دون خوف من ضياع هويته أو تحكم الآخر به.

نحن لا نصل إلى هذا الواقع المشترك إلا بجهد شاق؛ بقرار واعٍ أن تتوقف عن إثبات أنك على صواب، وأن تسأل بفضول حقيقي: «ما الذي تراه أنت ولا أراه أنا؟».
لأننا خارج هذه الدوائر والمساحات الضيقة من التقاطع، لسنا سوى شخصين يتحدثان لغتين مختلفتين، وكل منا يرفع صوته أكثر ظنًّا منه أن الصوت العالي سيصنع فهمًا أعمق.

شارك