هناك نوع من البشر يولد بقلب لا يعرف النصف الأوسط. إذا أحبّ، أحبّ بأكمله، وإذا حاول، يُسابق الوقت والأماكن والأسباب ليعبر إلى الضفة الأخرى.
هو الشخص الذي يبدأ دائمًا بالسلام، وهو الذي يبتدع الفرصة الثانية، ويغفر الهفوة الأولى، ويبني الجسور كلما انهدمت… كأنه الجندي الوحيد المكلف بالحفاظ على بقاء العلاقة على قيد الحياة.
لكن القسوة تكمن في أن تلتفت حولك في منتصف الطريق فتكتشف أنك تُحارب وحدك
في البداية، تقنع نفسك أنك الأكثر قدرة على العطاء، أو أن الطرف الآخر يحتاج إلى الوقت ليستوعب حجم ما تقدمه. تغزل له الأعذار، وتلتمس له الأسباب: ”ربما هو متعب“، ”ربما لا يعرف كيف يعبّر“، ”أنا سأبدأ اليوم وهو سيبدأ غدًا“.
تمر الأيام، وتكتشف أنك تحوّلت من شريك في العلاقة إلى مُنقذ لها.
تكتب الرسالة الأولى، وتصلح الكسر الأول، وتتحمل ثقل اللحظات الصعبة بمفردك. تنتظر منه محاولة واحدة، مجرد إشارة أو خطوة صغيرة تثبت لك أنك لست وحدك في هذه الساحة.
لكن عند أول مفترق طرق أو مشكلة بسيطة، تجد الطرف الآخر يستسلم، يلوّح بالوداع، ويترك كل ما بنيته أنت لينهدم في ثوانٍ. في تلك اللحظة تدرك أنك كنت تحارب من أجل شخص، كان هو يفتش عن أول مخرج ليغادر.
أصعب ما يمر به ”الأول دائمًا“ ليس الفراق في حد ذاته، بل الشعور بالاستنزاف. أن تكتشف أن كل طاقاتك، وحرصك، ولهفتك، وسهرك، لم تكن سوى جهد مجاني في عين من تحب.
تكتشف أنه لم يكن يرى محاولاتك ”حبًّا“، بل كان يراها ”حقًّا مكتسبًا“ أو مسألة مفروغًا منها. تجلس مع نفسك وتسأل بمرارة:
لماذا أملك القدرة على القتال من أجلهم جميعًا، ولا أجد أحدًا يستحوذ عليه الفضول ليدافع عن وجودي ولو لمرة واحدة؟
هذا التناقض هو ما يخلق ”التعب العميق“… التعب الذي لا يُداويه النوم، بل يُداويه الاعتراف بالحقيقة.
المحارب لا ينكسر لأنه ضعيف، بل ينكسر لأنه طال قتاله في المعركة الخاطئة.
اللحظة الحقيقية للتغير لا تأتي بصرخة أو بخصام، بل تأتي بصمت هادئ.
تجلس في مكانك، تضع يدك في جيبك، وتتوقف عن المبادرة.
لا تبتسم أولًا، لا تبدأ الحديث، ولا تحاول ترقيع الشروخ هذه المرة.
تتوقف لتشاهد ماذا سيحدث.
وهناك، في ذلك الفراغ الموحش، تتأكد الحقيقة:
عندما توقفت أنت عن الحركة، توقفت العلاقة تمامًا.
المحاولة من طرف واحد ليست حبًّا، بل هي استنزاف بطيء لروحك.
أن تحارب من أجل شخص أمرٌ نبيل، لكن أن تحارب بدلًا من شخص أمرٌ مهين.
اغمد سيفك، استرد حربك، ووفر شجاعتك لمن يعبر إليك نصف الطريق، ومن يخاف أن يخسرك تمامًا كما تخاف أنت أن تخسره…
العلاقات لم تُخلق لنسير فيها على أطراف أصابعنا كي لا ينزعج الآخرون، بل خُلقت لنستريح فيها من عناء العالم، لا لنخوض فيها حربًا أخرى بمفردنا.