مع كل ذكرى لحدثٍ عظيم، أو إنجازٍ ضخم يُحتفى به في أي بقعة من العالم، أجدني أتوقف لأسأل: كيف يعيش هؤلاء الأشخاص الاستثنائيون وهم يحملون في عقولهم أثر عملٍ غير مسبوق؟
كيف يعيش إنسان وهو يحمل في ذاكرته أنه قفز في قارب مطاطي وعبر قناةً مائية على مرأى ومسمع من عدوٍ متربص ليحرر أرضه المغتصبة، وفوق رأسه تتطاير قذائف المدفعية والطيران؟ كيف يعيش إنسان بعد أن وطئت قدماه القمر، فعليًا لا مجازًا؟
شاهدت مؤخرًا ”السيد الجعبيري“، الجندي في قوات الصاعقة المصرية إبّان حرب أكتوبر ١٩٧٣، في بودكاست وهو يروي لمحمود سعد كيف عبر القناة، واختبأ هو ورفاقه على بُعد أمتار من أبواب المخابئ في خط بارليف قبل نحو ساعتين من انطلاق الحرب!
رواها بتفاصيل كأنها حدثت للتو، وفي الوقت ذاته رواها كأنه كان واقفًا على ناصية شارعٍ عادي ينتظر وسيلة مواصلات.
يتحدث علم النفس الوجودي، ودراسات ما بعد الصدمة والتحولات الحياتية، عن أن بلوغ المجد قد يترك في النفس ما يُعرف بـ”فراغ ما بعد الذروة“. إذ يشعر الإنسان بأن لا شيء آخر يمكن أن يضاهي جسامة ما حققه، فيعيش ما تبقى من عمره في إحباط.
من أشهر الأمثلة على ذلك رائد الفضاء ”باز ألدرين“، الذي عانى بعد عودته من رحلة القمر من اكتئاب حاد وإدمان للكحول وانهيار زواجه، حتى صار البعض يسمّي حالته ”متلازمة ما بعد أبولو“.
كتب في مذكراته Magnificent Desolation عن السؤال الوجودي القاتل الذي واجهه وهو في التاسعة والثلاثين:
ماذا تفعل في بقية حياتك بعد أن مشيت على القمر؟
يقول علماء النفس في شرح مفهوم ”وهم الوصول“ (The Arrival Fallacy): الاعتقاد بأن تحقيق هدفٍ عظيم سيجلب سعادةً دائمة. فالواقع العصبي والكيميائي للإنسان يقول إن الدوبامين يُفرَز أثناء السعي، لا عند الاستقرار بعد الوصول.
ومع ذلك، وجدت الإجابة الأعمق في الفرق بين أن تكون ”السيد الجعبيري“ وأن تكون ”باز ألدرين“.
لا أقول إن كل محارب عاد من الحرب سالمًا من آثارها؛ فكثيرون عادوا يحملون جراحًا نفسية لا تُرى، وليس كل من مشى على القمر انتهى إلى ما انتهى إليه ألدرين. لكن الفرق بين هذين الرجلين تحديدًا يكشف شيئًا عن طبيعة الأهداف نفسها.
حقق ”باز ألدرين“ إنجازًا علميًا وتكنولوجيًا وبشريًا غير مسبوق بلا شك، وكان يحمل خلفه أمةً كاملة وشعارًا يقول إن الخطوة لكل البشرية.
لكن هدفه كان، في جوهره، نقطة وصول: أن تهبط على القمر ثم تعود. وحين تحقق الهدف، انتهى. عاد باز إلى الأرض فوجد أن الشيء الذي عاش من أجله قد اكتمل، ولم يعد هناك ما يُسعى إليه.
أمّا ”سيد الجعبيري“، فرغم حصوله على أدوات وتخطيط ومؤسسة تدعمه، إلّا أنه لولا سيد ورفاقه لما نُفِّذت تلك الخطة.
فما من خطة يمكن أن تقنع إنسانًا بالمنطق أن يقفز في قاربٍ مطاطي، ويجدّف بيديه والشمس في كبد السماء، وعساكر العدو على مرمى حجرٍ منه، إلّا إذا أدرك أنه ينوب عن كيانٍ أكبر منه.
يرتبط بأواصر وثيقة بملايين من البشر يعرفهم ولا يعرفهم، أوكلوا إليه وإلى رفاقه مهمة استرداد الشرف والكرامة. فلا ينفد إحساس الإنسان بشرفه وكرامته أبدًا ما حَيِي.
هل من الممكن أن تستيقظ صباحًا وتقرر أنك ستعيش يومك بلا كرامة، مهانًا بين الناس، وتعود غدًا معززًا مكرمًا؟ لهذا لم يصل سيد ورفاقه إلى مرحلة ”ما بعد الهدف“.
ولن يصلوا إليها أبدًا.
فسيد ورفاقه ونحن جميعًا نستيقظ كل يوم لنطمئن إلى أن شرفنا وكرامتنا في قبضتنا ولم يسلبها منا أحد؛ فالكرامة سعيٌ دائم لا ينتهي، ولذلك تسري جرعة الدوبامين في عروقنا، فلا نشعر بأي فراغ ولا صدمة.