⁠العاشرة مساءً
٤٤٧ كلمة

في النسخة الرابعة من مقال كنت أكتبه، حذفت جملة، وكانت تشبيهًا قد أحببته أكثر مما يحتمل المقال، وجاءت دفعة واحدة بلا مراجعة، وهذا نادر عندي.

كنت أدفع الفقرة نحو فكرة، والجملة تنتمي إلى فكرة أخرى، فقطعتها وواصلت.

بعد نسختين أخريين، فتحت سجل الإصدارات ووجدتها هناك. ألصقتها في موضعها القديم وقرأت الفقرة بصوت مسموع، فتعثر لساني عند الجملة.

كنت قد أعدت كتابة الجملة التي بعدها، فصار ضميرها يشير إلى شيء آخر، وصار الرابط الذي مهّد لجملتي القديمة يمهّد لجملة غيرها.

قدّرت أن التعديل سيستغرق خمس دقائق، وأنني أحتاج إلى أن أقرّب الجملة من الفقرة الجديدة. قلت لنفسي إن الجملة تستحق أن يتغير الباقي من أجلها.

بعد ساعة، كنت قد أعدت كتابة نصف الفقرة مرة ثانية، وبرد الشاي بجانب الحاسوب، وصارت الجملة التي أعدّلها جملة أخرى.

وضع الباحثان فيليب تيتلوك وآرون بيلكين، في كتاب صدر عام ١٩٩٦، معايير للتفريق بين أسئلة «ماذا لو» المعقولة وغير المعقولة في دراسة السياسة العالمية، كأن يسأل الباحثون في هذا الحقل عمّا كان سيحدث لو أبعد الحزب الشيوعي ستالين عن منصب الأمين العام.

أحد هذه المعايير يقيّد نقطة البداية، ويسميه المهتمون بالحقل قاعدة الحد الأدنى من إعادة الكتابة: على السائل أن يغيّر من الماضي أقل ما يمكن، ثم يتتبع ما يترتب على هذا التغيير الصغير.

ويرى منتقدون، ومنهم بعض من كتبوا في الكتاب نفسه، أن هذا التتبع موضع الضعف، لأن أثر الحدث الواحد يتفرع إلى ما لا يستطيع الباحث توقعه.

جملتي أصغر مثال على هذا الاعتراض. غيّرت شيئًا واحدًا، كما يفعل المؤرخ الذي يبعد ستالين وحده، وحين بدأت أتتبع ما ينتج عن ذلك، امتد الأمر إلى نصف الفقرة.

النص الذي كتبته بعد الحذف هو ما ترتب على غياب الجملة، والنص الذي كان سينتج عن بقائها لم يكتبه أحد. أسأل نفسي «ماذا لو أبقيتها؟»، فأطلب من كاتب أن يكتب ذلك النص، وهذا الكاتب لم يوجد إلا في السؤال.

أجرب الشيء نفسه على قرارات أكبر من جملة. أضع القرار الذي لم أتخذه مكان القرار الذي اتخذته، وأقرأ حياتي بعده بصوت مسموع. يتعثر لساني.

تشكّلت حياتي بعد قراري الفعلي حول غياب البديل، من الناس الذين عرفتهم إلى العمل الذي وصلت إليه، ولا مكان للبديل فيها.

وأعرف أنني في أيام أخرى أريد من هذا التمرين جوابًا واحدًا:

أن البديل كان أفضل، لأن هذا الجواب يمنحني إذنًا بالحزن.

ومع ذلك، أعود إلى سجل الإصدارات بين حين وآخر، ولا أنسخ شيئًا. أكتفي بالتأكد من أن الجملة ما زالت هناك.

وأجد فيه ما لا يظهر في النص الأخير: النسخة الرابعة، بكل عيوبها، كانت مقالًا كاملًا عند كاتبها، وقد حذف الجملة وهو يظن أنه يحسّن المقال. قرأ ما أمامه وقرر.

أما أنا فأقرأ قراره بعد أن رأيت النسختين الخامسة والسادسة، وهو لم يرهما. وأجدني أرفق بذلك الكاتب أكثر مما أرفق بنفسي حين أراجع قراراتي.

تبقى الجملة في السجل بتاريخ اليوم الذي حذفتها فيه. أغلق السجل وأكتب النسخة السابعة.

شارك