⁠العاشرة مساءً
٥٠٧ كلمة

أعترف بأنني لست بهذا القدر من اللامبالاة وعدم الاكتراث كما أحب أن أتظاهر، أو ربما كما أريد أن أكون. الحقيقة أنني عكس ذلك تمامًا، وأنني حقًا أبالي.

لا داعي لمزيد من الإنكار. أنا حقًا أهتم. I give a damn.

وهذا لا يتناسب البتة مع عالمنا اليوم: عالم تطبيقات المواعدة، والحكم على الأشخاص من الانطباع الأول، واختصارهم بتاريخهم وتعقيداتهم وعوالمهم الداخلية في إجاباتهم عن بعض الأسئلة العقيمة أو صور البروفايل، ثم عمل swipe left إن لم يناسبك الأمر، وكأنك بتمريرة من إصبعك تستطيع اختزال وجود شخص بأكمله ومحوه من مجال رؤيتك تمامًا.

تأبى نفسي أن تشارك في هذا السيرك البشري الذي يصبح فيه الإنسان هو التاجر والسلعة في آنٍ واحد، ويصبح هدفنا الوحيد هو الإبهار المستمر وتقديم أفضل صفقة وأفضل عرض للطرف الآخر، حتى لا يمل ويضغط next، فينتقل للعرض التالي دون حتى أن يكلف نفسه عناء إخبارنا بالسبب.

أعترف الآن أنه لا تزال تقبع بداخلي تلك الفتاة المراهقة ذات الثلاثة عشر عامًا، التي تحب أفلام الـRom Com وتنتظرها يوميًا في سهرة الـMBC MAX. لكن لا، حتى في هذا العمر لم أكن أؤمن بوجود فارس الأحلام أو الرجل المنقذ، فلطالما كنت أنا منقذتي الوحيدة.

لكن تلك الفتاة كانت تؤمن بوجود قيمة ميتافيزيقية شبه سحرية تسمى الحب، قيمة ربما لا يملك جميع الأشخاص القدرة على الاحتكاك بها أو استشعارها.

ما زلت أحمل هذه الفتاة بداخلي، لكنها تسكن في غرفة بعيدة ذات باب موصد بشفرة عصية على الحل، وينام بجانب الباب وحش ذو أنياب حادة، يستعد للانقضاض على من يجرؤ على الاقتراب.

الحق يقال: تجربتي مع الرجال لا تُعد كارثية، ويمكن اعتبارها أفضل من تجربة أغلب النساء اللاتي أعرفهن، بل أعترف أن القدر كان رحيمًا بي حتى في أكثر التجارب سوءًا.

لكنني مع كل رجل مررت به كنت أجد بين طيات كلماته صورة مرسومة بعناية لمن يريدني أن أكون، حتى وإن لم يصرح بذلك، وكنت ألمس الإحباط عندما أخرج بطبيعتي عن هذه الصورة المتوقعة.

والأسوأ حين يبدأ في محاولات عبثية لإجراء تعديلات على ما لا يناسبه ”Customization”، وغالبًا عندما نصل إلى هنا، أكون أنا بالفعل قد وضعت نقطة النهاية.

في كل مرة كنت أستمع فيها إلى رجل يلقي على مسامعي كلمات الحب والوعود المستقبلية الفارغة، كنت أعلم يقينًا أنني لست في المكان الصحيح. حتى في المرة الوحيدة التي أحببت فيها رجلًا بحق، كانت تحدثني نفسي: “لا، حتمًا ليس هو. لم يحن الوقت بعد.“

ربما أبحث عن رجل ينظر إليّ بعينين ترغبان في الاستكشاف، لا التملك. رجل يملك من سعة الروح ما يكفي ليراني كما أنا، لا ليُسقط عليّ صورة من مخيلته. أنا بكل نسخي التي ما زلت في رحلة استكشافي لها.

أنا الجيدة والسيئة، البريئة والخبيثة، المنضبطة والعابثة، الحكيمة والمشاغبة… دون أن يخاف أو يهرب أو يشعر بأنني أكثر من اللازم، Too much.

أن يكون قادرًا على تقبّل أنني لا أقبل التصنيف، ولا أن يحاول شخص أن يحدّ مني بوضعي في خانة ما، وأن يكون هو نفسه مدركًا أن الإنسان ”الحقيقي“ عصيّ على التصنيف.

شخص يملك من الشجاعة ما يكفي ليعترف بأنه ليس Mr. Perfect، ولا الرجل المثالي في الوقت المثالي، ولا يعدني بالأبدية، ولا يملك إجابات جاهزة عن أسئلتي العالقة، لكنه على استعداد لأن نتشارك رحلتنا الفردية مع هذه الأسئلة.

شارك