كنت عالقًا اليوم في زحام مروري بشع، زحام من النوع الذي يكبس على النفس، حيث العربات متلاصقة والكلاكسات متلاحقة، وكل واحد روحه في مناخيره؛ تكفي عطسة مكتومة من السائق المجاور لاندلاع مجزرة.
وفيما أنا أعالج أحزاني، سمعت كلاكسات عنيفة جدًا من الشخص اللي ورايا. الصراحة حسيت أني مش فاهم، عايزني أعمل إيه؟ أطير؟!
وقبل أن أتجهز للعدوانية، فهمت أنه عايزني أمشي شوية عشان عايز ياخد يمين. قلت لنفسي: آه. مأزق صعب.
يبدو أنه عاوز ياخد مخرج على الناحية اليمين، والظروف، كما هو واضح، صعبة. ومن هنا فهو مأزق صعب.
والناس في التعامل مع هذه المواقف الصعبة صنفان: أما الأول فهو الذي سيملأ الدنيا ضجيجًا حتى يتحقق له ما يريد. دي مش مشكلتي أنا لوحدي أني هفوت مَخرج. دي هتبقى مشكلة 250 عربية من حولي.
أما الصنف الآخر، الذي أنتمي إليه بفخر، لأن أبويا وأمي بذلوا مجهودًا في تربيتي بربع جنيه، فيقرر أنها هتبقى مشكلته هو لوحده، وأن هذه، على ما يبدو، هي الحياة.
وهكذا، أصدقائي الأعزاء، تفهمون سر مغامراتي المستمرة في أنحاء عجيبة من القاهرة: ألو يا أحمد، أنت فين؟ أنا في سقارة. بتعمل إيه في سقارة؟ فوتت اليوتيرن، فمكمل لحد ما أشوف الحضارة الفرعونية قالت إيه هناك.
أو: أنت فين، أحمد؟ أنا في صفط اللبن. بتعمل إيه في صفط اللبن؟ كنت رايح المهندسين بس فاتتني نزلة الكوبري. وغير ذلك من غرائب وطرائف أقص أنباءها فيما بعد.
عودة إلى الرجل الذي يريد أن يلحق مطلع الكوبري. عملت ما عليّ. كشخص محترم. وأفسحت له المجال.
وتابعت، ونحن نتحرك ببطء شديد، هذه العربة البائسة وهي تحيل حياة 250 عربة أخرى إلى جحيم. وتأكدت من صدق مقولة عم الطبلاوي، الذي علمني القيادة ويعمل سائق إسعاف: «بلاش غباوة ع الطريق». صدقت يا عم.
كما استعدت مقولة إنجليزية قرأتها في مكان ما تقول: «السائق الذكي يفوت مطالع الكباري أحيانًا؛ السائق الغبي لا يفعل ذلك أبدًا».
والتي أترجمها في دماغي كذلك إلى: «إن أخطأت، فتحمل مسؤولية خطئك». وهكذا ترى هذا الغبي يرجع بظهره على طريق سرعته 120 كيلو.
عودة إلى العربة إياها التي وصلت بالسلامة إلى الناحية اليمنى من الطريق، ولدهشتي البالغة قرر، بعد نص متر، العودة مرة أخرى إلى اليسار. والله العظيم.
قاطعًا كل هذه المسافة والملحمة من جديد. مستحيل. فكرت. مستحيل. لكن يبدو أنه لم يكن مستحيلًا للدرجة.
وهكذا… رأيت السيارة تقطع رحلة عودة أوديسيوسية الطابع. وطبعًا لأن الحياة صعبة، خبط عربيته في عربية أخرى مجاورة. «يا حماااار!»شقت السماء.
فتوقفنا كلنا بقى نشوف إيه الحوار. نزلوا اتخانقوا شوية وأنا، والله، أشاهد وأفكر وأتدبر.
الخناقة خلصت وصلّوا على النبي كلهم، وتحرك الطريق مرة أخرى، وأكمل الرجل المخبول مسعاه حتى اقترب مني، ثم، والله، بدأ في الكلكسة مرة تانية عشان يعدي قدامي.
وأنا، الحقيقة، كنت قد وصلت في رحلة تفكيري إلى أن رحلة هذا الرجل تشبه، في جزء كبير منها، رحلاتي في الحياة. من أقصى الأشياء إلى أقصاها، ثم خيبة أمل، وعودة إلى المكان الأول، بخبطة.
وإن كان المجاز غير واضح، فالخبطة تكون عادةً في قلبي، مجازًا، لا للمجاز، لأن القلب ليس هو المخبوط في هذه الحالة، بل روحي. مجازًا. المهم أنه صعب عليّ حاله/حالي فأفسحت له الطريق لكي لا أكون أنا، والزمن ونفسه، عليه.