⁠العاشرة مساءً
٤٧١ كلمة

علاقتي بالـ Recruiters تشبه علاقة آبائنا بالوايت صوص. لا يمكن أبدًا بشكلٍ أو بآخر أن يقتنع أب مصري بشيء يلفّ المعكرونة غير صلصة الطماطم التقليدية.

وهذا ينطبق على علاقتي الغريبة مع مسؤولي التوظيف العاملين في هذا المجال حاليًا، الذين لا أفهم حتى الآن ما الذي يفعلونه. هل هم وسطاء حقيقيّون؟ هل هم شبكة سرية تعمل لنشر عقيدةٍ ما؟

لا أفهم، فهم موجودون بالمئات بل بالآلاف.

يشبهون موظّفات مبيعات My way وAvon الشركتين اللتين انتشرتا فجأةً في الفترة الغريبة ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٤ إن لم تخنّي الذاكرة، بدايات التسويق الشبكي الجميلة، وربما تربط مسؤولي التوظيف بموظفات التسويق العلاقةُ نفسها، ما أجمل ربط الأمور!

منذ عدة أيام كوّنت علاقة لطيفة مع إحدى «الريكروترز». مع أن أول انطباع يتكوّن لديّ عن هؤلاء العاملين تحت هذا المسمى هو شيء أشبه بـ«انت مين يا ابني وبتعمل ايه هنا؟»، إذ يحيط بما يفعلونه غموض كامل.

لكنّ الفتاة كانت لطيفة جدًّا بينما تعرض عليّ مئة وظيفة مناسبة و-غير مناسبة- طبعًا، وشعرتُ أني ضيفةٌ في منزل جارةٍ جديدة وضعت أمامي كل أصناف الطعام استعدادًا لبناء العلاقة الوطيدة.

ثم حصل أروع شيء على الإطلاق: قالت لي على استحياء إنها تريد سؤالي شيئًا فضوليًا. وحين سمحتُ لها سألتني: ”ما هذا الذي في صورتك؟“.

ولم يكن ما في صورتي أكثر من حصيرةٍ عليها بطاقات من لعبة ”أوغورا كاروتا“.

اللعبة اليابانية التاريخية التي نلعبها كل سبت في المؤسسة اليابانية، إذ يقرأ الشاعر شطر البيت الأول، وفور سماع أول مقطع من البيت نحاول اصطياد بطاقة البيت الثاني الصحيحة عن الأرض ”الحصيرة“.

لعبة يابانية ممتعة يلعبها اليابانيون كتقليد في بدايات العام الجديد، وتُقام لها بطولات دولية.

لذا حين علمت «الريكروتر» الجميلة بالأمر تحمسَت لمعرفة المزيد، فاقترحت عليها أن تتابع فيديوهات اللعبة على يوتيوب.

ونشأت أغرب علاقة بطلتها لعبة يابانية عتيقة بين شخصين ما كانا يحاولان في البداية إلا صيد المصلحة من بعضهما؛ العمل والعمولة. هاها.

الفكرة أن الأمر أيقظ الباحثَ الاجتماعيَّ في داخلي. ماذا لو كانت هذه البداية؟

أحبت الفتاة اللعبة، لذا استمرت في الحديث الممتع معي، بل وحين وجَدَت أن كل عروضها غير مناسبة لي، أخبرتني أنها سترشدني إلى شخص آخر لديه عروضٌ أفضل بكثير. ما أجمل الواسطة.

ماذا لو وضع كل فرد في المجتمع المصري صورةً غريبة لحصيرة عليها بطاقات بكلمات غريبة غير مفهومة، وأثار الهلع والمفاجأة في نفس كل ريكروتر وHR فيكِ يا مصر؟ ألا يعني هذا أن الفضول نحو الفرد العاطل سيتزايد؟

وقد يُقبِل جميع هؤلاء المسؤولين «المهمين» في الشركات على لعب الكاروتا اليابانية، فيقابلون المزيد من العاطلين، وتتزايد معدلات التوظيف، ويصبح الجميع سعداء؟ ألا يعني هذا أن أثر الفراشة قد حدث؟

أن أبسط الأشياء الغريبة والعادية تُحدث أثرًا في مجتمع كبير ومعقد ومتداخل كالمجتمع المصري؟

وأن هذا قد يقودنا للعالمية، إذ سيجعل الكثير من مسؤولي التوظيف يشاركون في بطولات الكاروتا الدولية بدلًا من رحلات لبنان التي تحدث – لسبب ما – دائمًا في شبكات التسويق الهرمي؟

ألا يعني هذا أن الآباء قد يبدؤون – فعليًا – في تناول المعكرونة بالوايت صوص؟

شارك