⁠الخامسة عصرًا
٦٥١ كلمة

دائمًا أدقق في الأشخاص الذين أجدهم في موقع المسؤولية في شركات كبرى، سواء كانت هذه الشركة أعمل بها أنا أم كانوا أشخاصًا تصدّروا المشهد العام لشركات أخرى في كافة الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة.

لا تهمني ولا تشغلني قصص النجاح.

سئمت منها، وأصبحت متشبعًا بالكثير منها بفضل الموجة الضخمة من البودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي بكافة أنواعها.

ما يشغلني حقًا هو كيف وصل ذلك الشخص الذي يبدو لي بإمكانيات محدودة إلى ذلك المكان.

صديقي، أرجوك لا تُسئ فهمي. أنا لا أحقد على الرجل، أنا فقط أتساءل.

فلم يقدّم كثير من هؤلاء الأشخاص أي نباهةٍ ظاهرة، أو عمل أو إنجاز فذّ. فقد قدّموا الكثير من الأفعال المتوسطة. لم يصلوا إلى القمم، ولم يغرقوا في القاع، ولكنهم ظلوا دائمًا في المنتصف.

ثم أجد نفسي أتساءل، ألم يلاحظ أيٌّ من الناس حولهم أنهم أشخاص محدودو الكفاءة إلى حد كبير؟ ألم يقف أحدٌ كي ينادي فيهم ويقول:

”أنت لم تصل إلى القمة، فلا تدّعِ؛ أنت قابعٌ في المنتصف منذ أن بدأت“؟

إذا ساقتك الأقدار إلى العمل في إحدى الشركات الكبرى، ذات الأعداد الغفيرة من الموظفين، فحتمًا سوف يتقاطع طريقك مع الكثير من هؤلاء. بكل تأكيد ستدرك أن في تلك الكيانات الكبرى لا يحب أحد أن يُلقّب بأنه حامل الأخبار السيئة.

فلا يُسلَّط الضوء على الأعمال الرديئة أو الأفعال غير المجدية، ولكن هناك رغبة جارفة في ترك السفينة تسير بأقل قدر من ”القلاقل“. أما أنا، فأجد صعوبة كبيرة في ذلك الأمر.

لكن دعني أولًا أقدّم لك وصفًا مختلفًا لهؤلاء الأشخاص.

هناك تعبير أجدُه بديعًا باللغة الإنجليزية اسمه ”mediocre“. عادةً ما يُترجم هذا التعبير حرفيًا باللغة العربية إلى الشيء المتوسط أو العادي، أو دون المتوسط في أحيان أخرى.

تعود الكلمة باللغة الإنجليزية إلى الأصول اللاتينية، وهي ”mediocris”، وهي مكوّنة من جزأين: “medi“ أي في المنتصف، و ”ocris“ وتعني ”جبل وعر“. وهو تعبير مجازي يعني: في منتصف الطريق.

أنت لست في قمة الجبل ولا في القاع، أنت في المنتصف. مع كافة الاحترام للتعبيرات اللغوية والترجمات الحرفية، ليس هذا هو المعنى الذي أعتقد أن الكلمة تعنيه.

أجد أن هناك تعبيرًا أفضل يعبّر عن تلك الحالة، وهو ”mediocrity“. أي الحالة التي يبدو فيها كل شيء دون المستوى، أو على أقصى تقدير في مستوى متوسط. والوصف المناسب للشخص الـ ”mediocre“ هو الشخص متوسط الإمكانيات، معدوم الموهبة.

نعم، سيحقق ذلك الشخص بعض النتائج في أي عمل يقوم به. وتكون تلك النتائج أحيانًا على قدرٍ معقول من الجودة، وفي أحيان أخرى على قدر ضعيف جدًا منها، فيستنتج كل من يشاهد أعمال هذا الشخص أنها في المجمل لا بأس بها.

ولكن إن أمعنت النظر، ستجد أنها غير مبنية على أي أسس علمية، ولا على أي موهبة يمتلكها ذلك الشخص. هي مجرد ضربات من الحظ قادته إلى الظهور بمظهر من يقوم حقًا وصدقًا بتسلق ذلك الجبل. وفي الحقيقة، هو لا يبارح مكانه. هو دائمًا في المنتصف، ويخلو كل عمل يقوم به من أي لمسة جمالية أو احترافية.

هذا في حد ذاته هو سبب الأمان الوظيفي الذي يتمتع به هؤلاء الأشخاص، وفي نفس الوقت هو سبب صعودهم إلى أعلى السلالم الوظيفية. فيُنظر إليهم دائمًا على أنهم عنصر ثبات وأمان للمنظومة ككل:

لا يثيرون المشاكل، ولا ينقلون الأخبار السيئة فلا يحب الكثير من القادة الاستماع للأخبار السيئة.

ينفّذون ما يُكلَّفون به بلا تساؤلات كثيرة، وبلا بحث عن الجدوى ومقدار الاستفادة. لا يقترحون الحلول البديلة، وهم في العادة لديهم القدرة على تنفيذ المطلوب بشكل جيد. هم أكفّاء بالقدر الذي يضمن بقاءهم، لا أكثر.

كما قال النقيب تيسير فهمي في مسلسل الرجل العناب ”متدخلنيش في تفاصيل يا مدحت“. اتفق أغلب العاملين في تلك الشركات الكبرى على أنه لا داعي للدخول في التفاصيل. لكني أحب دائمًا أن ألعب دور ”مدحت“. سأسأل عن التفاصيل، وأدقق في الأسباب، وأنادي بالصوت الجهور.

سيكلفني ذلك الأمر في بعض الأحيان، ولكني بعد اثنين وعشرين عامًا من العمل في تلك الشركات وجدت أنني إذا قمت بهذا العمل مدعومًا بالأرقام والبيانات والمعلومات الدقيقة، وبالكثير من الأدب والاحترام، أتسبب في اهتزاز السفينة بعض الشيء، ولكني أربح في المجمل، وأول ما أربحه هو احترامي لذاتي.

وإن كان محمد منير يقول ”للحلو يا حلو في عيونه“، فأنا لا أتردد في أن أقول للـ mediocre: يا mediocre في عيونه.

شارك