⁠العاشرة مساءً
٥٠٦ كلمة

وقفت أمام الكاشير وفي يدي سماعات بلوتوث جديدة، رغم أن سماعاتي القديمة تعمل تمامًا، لكن العرض كان مغريًا:

خصم 15%، وتصميم أنيق، وصندوق فخم يوحي بأنني على وشك امتلاك شيء مهم. دفعت الثمن وأنا أقنع نفسي بأنها استثمار، وفي الطريق إلى البيت بدأ السؤال المعتاد: لماذا اشتريت هذا؟!

في البيت، فتحت الصندوق بحماس دام ثلاث دقائق، ثم وضعت السماعات الجديدة بجانب القديمة، نفس الصوت تقريبًا، نفس الوظيفة، فبدأ شعور خفيف بالندم يستقر. أعرف بالضبط ما حدث، لأنه يحدث في كل مرة.

نحن لا نشتري لأننا نحتاج، بل لأننا نشعر بحاجة إلى شيء آخر تمامًا. أعرف أن الشراء ليس فعلًا اقتصاديًا بحتًا، وإنه فعل عاطفي، هذا ما أثبتته أبحاث علم الاقتصاد السلوكي مرارًا: نحن لا نشتري الأشياء، بل نشتري ما نعتقد أن هذه الأشياء ستمنحنا إياه.

حين نشتري ملابس جديدة، نحن لا نشتري قطعة قماش، بل نشتري نسخة أفضل من أنفسنا. حين نشتري جهازًا إلكترونيًا، نشتري وعدًا بالإنتاجية أو الترفيه أو الانتماء إلى جماعة معينة تمتلك نفس الجهاز. نشتري الشعور بالسيطرة في يوم فوضوي، أو لحظة سعادة في أسبوع كئيب.

المشكلة أن هذا الشعور لا يدوم، يسميه الباحثون ”التكيف الهيدوني“ أو Hedonic Adaptation. نحن نتكيف بسرعة مع ما نملك، فما كان يبدو مثيرًا بالأمس يصبح عاديًا اليوم، السماعات الجديدة تصير قديمة في غضون أسابيع، والفرح الذي رافق الشراء يتبخر، ونعود إلى نفس المستوى من الرضا أو عدمه.

ثم هناك ما يسمى ”شراء الهوية“. نحن نشتري أحيانًا لنخبر أنفسنا والعالم من نحن، الشخص الذي يشتري كتبًا لا يقرأها يريد أن يرى نفسه قارئًا، من يشتري معدات رياضية يريد أن يصدق أنه سيبدأ الرياضة قريبًا. نحن نشتري النسخة المثالية من أنفسنا، تلك التي نتمنى أن نكونها، لا التي نحن عليها الآن.

كيف نخرج من هذه الدائرة؟

أنا شخصيًا لم أخرج منها، السماعات في الدرج شاهدة، وسجل مشترياتي الشهري فاضحني، لكن هذا لا يمنعني من أن أنصحك عزيزي القارئ بثقة تامة، فأنا أعرف مصلحتك أكثر منك، وأعرف المشكلة جيدًا، وأعرف الحلول نظريًا، وهذا يكفي لأن أتحدث بثقة شخص قرأ كثيرًا ولم يطبق شيئًا، فدعني إذن أشاركك النصائح التي أكررها لنفسي كل مرة وأتجاهلها كل مرة أيضًا.

أولًا، اسأل نفسك قبل الشراء:

هل سأستخدم هذا خلال الأسبوع القادم؟“ ليس ”هل أحتاجه يومًا ما“، بل هل سيكون جزءًا من حياتي الفعلية القريبة؟ هذا السؤال يكشف الفرق بين الحاجة الحقيقية والوهم.

ثانيًا، امنح نفسك مهلة:

قاعدة الـ 24 ساعة بسيطة: لا تشترِ شيئًا غير ضروري فورًا، ضعه في قائمة الأمنيات وعُد إليه غدًا، ستكتشف أن معظم الرغبات تتلاشى مع الوقت، وما يبقى هو ما تحتاجه فعلًا.

ثالثًا، اسأل نفسك:

”ما الذي أحاول أن أشعر به؟“ هل أنت متعب فتريد مكافأة سريعة؟ هل تشعر بالملل فتبحث عن إثارة؟ حين تعرف الشعور، يمكنك أن تجد طرقًا أخرى أرخص وأعمق لإشباعه، نزهة قصيرة، مكالمة مع صديق، قيلولة قد تفعل ما لا يفعله الشراء، ومشيها عشان تمشي.

مرت أسابيع على شراء السماعات. السماعات القديمة ما زالت تعمل، والجديدة في الدرج، لكن زيادة تأكيد: نحن لا نشتري الأشياء، بل نشتري مشاعر نظن أن الأشياء ستمنحنا إياها. وحين نفهم هذا، نكتشف أن السعادة لم تكن في المول أصلًا، بل في قدرتنا على أن نكون راضين عما نملك، أو على الأقل أن نعرف لماذا نريد ما لا نملك.

شارك هذا الـمقال