يسألني ابني: What did you do today
أجيبه: رحت الشغل، واشتغلت، وأهو قاعد جنبك
يسأل: I know, but what do you do at work
أنظر إليه… وأفكر.. هو أنا فعلا بعمل إيه في الشغل؟
في بيت أمي، تحديدًا في دولاب غرفتي، تقبع صورة لي وأنا صغير، وقت ”الحضانة“، مكتوب على ظهرها بخط يد لم تألف الإمساك بالقلم بعد:
الاسم : حسام سرحان
الأمنية : ظابط شرطة
من يعرفني جيدًا يدرك سخرية الأقدار من أمنية كهذه، لا أذكر في سياق حياتي الواعية أي شيء يجعلني أتمنى أمنية كهذه، وواقعي الحالي خير إثبات.
المهم، لم يكن سؤال ”الشغل“ أو ”الوظيفة“ يحتل ذلك الحيز من عقلي وأنا طفل، كنت أعرف في قرارة نفسي أنني سأصير طبيبًا، كان الأمر أقرب لليقين في ذهني.
كانت أمي تحفز تلك الرغبة بشكل مستمر، تذاكر لنا صيفًا وشتاءً، تمدح ذكاءنا غير الطبيعي، وتغذي ثقتنا بقدراتنا عن طريق حكايا المثابرة في عائلتنا.
عن أبي الذي أكمل دراسته رغم أنه كفيف البصر، وعن أخيها الذي اختير ضمن عدد محدود جدًا من الطلاب على مستوى الجمهورية ليدرس في مدارس الفائقين التي أسسها جمال عبد الناصر لرعاية النابغين، وعنها شخصيًا، التي اختبرت السلم الوظيفي من أدناه، فبدأت بشهادة الدبلوم، ودرست الثانوية ثم البكالوريوس وهي على رأس عملها.
أما أنا، فلم أعرف ”الشغل“ حين عرفته أول مرة كـ”رزق“، بل عرفته كـ”تهديد“.
في دمياط، حيث ولدت ونشأت، كانت النصيحة الأشهر بين الآباء هي ”وديه الورشة يتربى“، أو بصيغتها المهذبة ”خليه يروح ورشة في الأجازة، يبقى معاه صنعة في ايده“.
أو بصيغة أمي: ”الحق عليا باسيبك تلعب في الأجازة بدل ما تتبهدل في الورش زي زمايلك“.
هكذا وجدت نفسي في ورشة النجارة وأنا في الإعدادية، ثم الأويما، ثم ”استورجي“، ثم نقاش، وهي تجارب ذهبت إليها جميعًا بإرادتي، مدفوعًا برغبتي الحميمة في إثبات أنني ”راجل“ و”عادي يعني، مش أقل من حد“.
في الورشة، أو الورش، كان العقاب دائمًا يعني ساعات عمل إضافية، ”مخلصتش صنفرة، مش هتروح إلا أما تخلص“، بدا أن العمل نفسه هو العقاب، والأجر كان انتهاؤه.
الطريف أن المدرسة كانت تعمل بنفس المنطق، تتأخر عن الطابور؟ ”روح نضف الحوش“، بتتكلم في الحصة؟ ”انت اللي هتمسح السبورة“.
هكذا، كل ما هتغلط، هتشتغل.
حتى في التجنيد، كان أحد أشكال العقوبة هو ساعات عمل شاق لا تنقطع، بين تنظيف ساحات المعسكر، أو زراعة واحد من تلك الحقول الشاسعة. وإن كنت سعيد الحظ جدًا، ستكون عقوبتك العمل في المطبخ، ”أهو عالأقل بناكل واحنا بنشتغل“ على رأي صديقي الذي أخرج لنا لسانه حين جاءت توزيعته على المطبخ، وجاءت توزيعتنا على المزرعة.
أمي كانت تعمل بشكل دائم، تحمل دفاترها الضخمة – التي كان طول الواحد منها يصل إلى كتفي وأنا مراهق في الإعدادية، وحين أسألها عن سبب إكمالها للشغل في المنزل :”عشان مخلصتش اللي ورايا، ولازم الحسابات تتقفل وتتسلم بكرة“.
حسنًا، يبدو أن أمي تعاقَب أيضًا بمزيد من الشغل.
لاحقًا، حين أدركت في الثانوية أنني بالتأكيد لن أكون طبيبًا، الحياة قاسية معلش، تحول ”الشغل“ -الذي كنت قد اخترته طوعًا بملء إرادتي- إلى كل ما أعرّف به نفسي.
لم يعد ”الشغل“ في مخيلتي عقابًا فقط..
وكبرت، وكبرت معي الفكرة، بشكل مختلف هذه المرة: صرت أنا من يعاقب نفسه بالشغل.
كلما ضاقت الدنيا، اشتغلت أكثر.
الحزن؟ شغل.
القلق؟ شغل.
الوحدة؟ شغل.
انهيار الزواج؟ شغل.. كتير أوي.
اكتشفت متأخرًا أن هذا لا يختلف كثيرًا عن ”الطفاسة“ التي حولتني إلى كتلة من الدهون الثلاثية.
كلها مسكنات لحظية، لكن لا ”كرش“ ينتج عن ”طفاسة الشغل“.
الفارق هذه المرة، أن كل من حولك يصفق لك وأنت تؤذي نفسك.
لا أحد يقول لمن يعمل أربع عشرة ساعة ”انت كده بتضر نفسك“، بل ”ربنا يبارك لك، ده راجل عملي بتاع شغل“ أو باللغة ”workaholic“ .
فجأة، فقدت كل شيء.
في لحظة، صرت بلا عمل، بدون مقدمات، بدون خطة بديلة.
حين تكون قد بنيت نفسك كلها على أنك ”الراجل الشغّيل“، ماذا يتبقى منك حين يذهب ”الشغل“؟
لم تكن المشكلة في الفلوس فقط -رغم أن الفلوس كانت مشكلة حقيقية وضخمة- كانت المشكلة أنني فقدت الوسيلة الوحيدة التي أعرف بها نفسي.
لم تكن مجرد وظيفة.
وهنا كانت رحلة أخرى، جديدة كليًا.
البحث عن عمل، أي عمل.
تقدمت لوظائف أقل من خبرتي بسنوات، رُفضت.
تقدمت لوظائف أعلى، رُفضت.
أرسلت مئات السير الذاتية، لم يرد أحد.
دعني أقول لك إن عدم الرد أسوأ كثيرًا من الرفض.
بدأت من الصفر فعلًا، أعمال صغيرة، ساعات كثيرة، مقابل مبالغ لم أكن لأقبلها قبلها بشهور.
اكتشفت وقتها أشياء لم تكن لتظهر لولا الحاجة: أنني أجيد أشياء لم أكن أعرف أنني أجيدها، وأن خبرتي التي ظننتها في مجال واحد كانت في الحقيقة مجموعة مهارات تصلح لعشرة مجالات. وأن ”مش يمكن لما أجرب أطلع بعرف؟“ قد تكون خطة النجاة الوحيدة المتاحة.
والأهم من هذا كله: اكتشفت أن العالم لم يتوقف حين توقفت أنا. وهذه إهانة ومواساة في آن واحد.
إني مش عارف أنا بشتغل إيه بالظبط، بس بحب أشتغل.
الحقيقة أنني لا أستطيع أن أشرح وظيفتي في جملة. لو كنت طبيبًا لقلت ”بعالج الناس“.
لكنني أعمل في شيء يحتاج شرحًا، ثم شرحًا للشرح، ثم في النهاية يقول من أمامي ”آه، يعني بتشتغل على الكمبيوتر“.
لكنني -وربما لأول مرة- لست في حاجة لأن يفهم أحد.
جوهر الأمر أنني أحاول ألا يصير ”الشغل“ هو ما يُعرّفني، أنا أحب الشغل، لا كعقاب، ولا كمسكن، ولا كإثبات لأي أحد، أو ربما إثبات لذاتي لست متأكدًا من هذا، لكنني أحب اللحظة التي تكون فيها المشكلة أمامي عصية على الحل، فأجرب وأفشل مرات، وأنجح مرة.
أحب أنني أتعلم كل يوم، وأنني بعد كل هذا، ما زلت أستطيع أن ”أطفئ الراوتر وأشغّله“ كلما ضللت الطريق.
– ”So, today we had a filming, I was managing the production of it”
أجبت ابني
= “So, you were the director?”
– “No, I wasn’t in this one”
= “So, you are not a director?”
– “I do many things, but today specifically I wasn’t the director no”
= “So, what do you do?”
على باب الله يا حبيبي، على باب الله.
يبتسم ولا يفهم.
ذات يوم، سيسأله ابنه نفس السؤال. أتمنى أن تكون إجابته وقتها أسهل من إجابتي.