عندما كنت أبحث عن أنواع الخذلان المختلفة، وجدت خذلان صديق، وخذلان حلم، ووظيفة تسعى إليها، ورفيق دربك، وحتى أحد والديك. ولعل أكبر خذلان قد نتعرض له هو خذلاننا لأنفسنا.
لكنني هنا لا أتحدث عن أنواع الخذلان العابرة التي نمر بها يوميًا، والتي تختلف أسبابها باختلاف أعمارنا ومراحل حياتنا. لا شك أن الخذلان، بكل أشكاله، جزء من التجربة الإنسانية ذاتها.
لكن ماذا لو كان الشعور هذه المرة هو الخذلان من التجربة الإنسانية نفسها؟
ماذا لو كنت مخذولًا من فكرة أن عليك كل صباح أن تستيقظ لتواجه العالم؟
أن تذهب إلى تلك الوظيفة الرتيبة من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، أو أن تختار أن تكون حرًا طليقًا، تصنع محتوى يوميًا، وتعمل لحسابك الخاص.
في الحالتين، أنت تعمل، تكسب المال، وتصنع لنفسك روتينًا ما، ثم تستمر داخله.
ربما هذه هي المشكلة.
أننا لم نعد نعيش التجربة الإنسانية فقط، بل أصبحنا نحاول باستمرار أن نحسنها، ونطورها، ونجعلها أكثر نجاحًا وإنتاجية، أصبحت التجربة الإنسانية نفسها مصبوغة بالرغبات الرأسمالية التي صرنا نراها أهدافًا، حتى وإن لم تكن ذواتنا تريد شيئًا منها حقًا.
استيقظ في الخامسة صباحًا.
تمرن أربع مرات في الأسبوع.
اقرأ.
لا تجعل عقلك يتعفن.
اصنع محتوى.
سافر، فأنت لست شجرة.
العالم يتحطم بالحروب والسياسات، لذلك استثمر.
لا بد أن يكون لك عملك الخاص.
لا تكن عبدًا للرأسمالية.
وفي الوقت نفسه، عليك أن تسابق كل أدوات الذكاء الاصطناعي.
ضع حدودًا لنفسك.
اذهب واصنع بودكاست.
لا، ربما عليك أولًا أن تستشير طبيبًا نفسيًا.
ما رأيك أن تتبنى هواية بطيئة حتى يشعر جهازك العصبي بالأمان؟
لا شيء يستحق أن يضطرب جهازك العصبي من أجله، يا عزيزي.
وبالطبع، تناول يوميًا احتياجك من البروتين.
أو، ربما، قل تبًا لكل هذا.
ولاحق السلام.
كل هذه الأصوات تخبرنا باستمرار كيف ينبغي أن نعيش: ماذا نفعل، ماذا نريد، ماذا نأكل، كيف نعمل، كيف نرتاح، كيف ننجح، حتى كيف ينبغي أن نشعر.
ومع ذلك، وبعد كل هذا الكلام الذي يملأ أيامنا وتجربتنا الإنسانية، أجدني أقولها ببساطة:
أنا أكره تلك التجربة.
لم أعد أفهمها!
وأعتقد أنك، في نهاية يومك، قد تشعر بشيء مشابه، أنك، رغم كل شيء، تشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا، شيئًا لا تستطيع أن تسميه، وربما لا تعرف أصلًا كيف تبحث عنه.
صدقني، أنا أيضًا لا أستطيع أن أخبرك.
ولا أستطيع أن أقنعك بكيفية العثور عليه، ولا أملك نصيحة أخرى للتعافي، ولا أريد أن أضيف همهمة أخرى إلى هذا العالم من إنسان عاش تجربته، ثم قرر أن يشاركك خلاصة تجربته لعلها تساعد شخصًا ما على أحد أطراف هذا الكوكب.
أنا لا أملك خلاصة.
ولا أملك حلًا.
أنا فقط أريد أن أشاركك سخطي، وأملي، وخذلان التجربة الإنسانية لي.
تجربتي.
تجربتك.
وربما تجربة ذلك الشخص الذي يجلس الآن في مكان ما على أحد أطراف هذا الكوكب، ويشعر بشيء لا يستطيع هو الآخر أن يصفه.
نحن نستطيع أن نشعر بالسعادة والحزن، والنشوة والشغف، والخوف والأمل، وتلك المشاعر الكثيرة التي يخبروننا عنها أو نحياها بأنفسنا.
وكل ذلك جزء من التجربة.
لكن ربما ما أريد قوله لك ليس أكثر من هذا: قد ترى مشاركتي لك هذا الكلام عبثية، وأنا أيضًا أراها عبثية.
لكن لنعترف بشيء واحد:
هذه التجربة الإنسانية تخذلنا، بشكل أو بآخر.
قد يخذلنا شخص.
وقد يخذلنا حلم.
وقد تخذلنا وظيفة.
وقد نخذل أنفسنا.
وفي لحظة ما، ربما نشعر أن التجربة كلها خذلتنا.
وبالطبع، أدعو لك ولي ولنا جميعًا بأن نرضى، ولو في أجزاء صغيرة، وأن تكون تجربتنا الإنسانية مرضية لنا كلنا.
لكنني أعلم أن هذا يكاد يكون مستحيلًا.
لا جدال في أن جزءًا منها، أو ربما كلها، سيسبب لنا خذلانًا بشكل أو بآخر.
ولذلك، أنا لا أريد أن أخبرك كيف تتجاوز ذلك.
ولا أريد أن أخبرك أن كل شيء سيكون بخير.
ولا أريد أن أقدم لك نصيحة أخرى عليك أن تضيفها إلى القائمة الطويلة لما ينبغي عليك فعله حتى تعيش حياة أفضل.
أنا فقط أريد أن أقول لك:
أنا أشعر بذلك أيضًا.
لأشاركك، ولو للحظة، هذا الخذلان، ولأقول لك إنك، وسط كل هذا العبث، لست وحدك.