الثانية ظهرًا
٤٧٨ كلمة

منذ الصغر نشأت في أسرة متوسطة الحال، بل في الحقيقة كانت فقيرة نسبيًا، رغم أن والدَيّ كانا يعملان في مهنة المحاماة. كانت والدتي تتقاضى ما يقارب 100 جنيه فقط شهريًا، بينما لم يكن والدي مستقرًا في عمل واحد، وكان في أغلب الأوقات بلا عمل، إلى أن سافر لاحقًا إلى إحدى دول الخليج.

حينها بدأ يرسل لنا أموالًا، واستقرت حياتنا بشكل ملحوظ، إلى أن انفصل عن والدتي، فتوقّف عن إرسال المبلغ الشهري.

كانت والدتي طموحة جدًا؛ عملت بجد، وحين ورثت مبلغًا من المال اشترت مكتب محاماة، ثم اشترت لنا منزلًا مِلكًا، لكنها ظلت لسنوات غارقة في سداد أقساطه.

خلال فترة مراهقتي، وبوصفي الابنة الكبرى التي تربّت في منزل بلا أب، كانت علاقتي بالمال دائمًا غير مستقرة.

لم تبخل عليّ والدتي بشيء، لكنني كنت أدّخر تقريبًا كل مصروفي. لا أشتري الحلويات، ولا أخرج مع صديقاتي للتنزّه، ولا أميل للتسوّق أصلًا. لم يكن يروق لي شراء أي شيء، ولم أشعر يومًا أنني أفتقد شيئًا.

كان أهلي يصفونني بأنني «فقرية» أو «بخيلة» وأحب اكتناز المال. اليوم فقط أفهم لماذا كنت أفعل ذلك. لم أكن أدرك وقتها أنني لا أشعر بالأمان، وأنني أحمل إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه والدتي التي كنت أراها تكافح وتعمل بلا توقف لتوفّر لنا حياة كريمة.

قرأت لاحقًا أن غياب الأب قد يؤثر على علاقة الفتاة بالمال، إذ يرتبط المال بالأمان والسلطة والاعتراف. لذلك قد يدفع غياب الأب أو هجره إلى تكديس المال والإفراط في الادخار، باعتباره درعًا واقيًا يمنحها شعورًا بالأمان.

أبشّركم اليوم يا أصدقاء، لقد تعافيت… والحمد لله. لم أكن أقصد تحديدًا إصلاح علاقتي بالمال، لكنني خلال طريقي للتعافي من جرح الأب وهجره عبر جلسات العلاج النفسي، تصالحت مع المال أيضًا.

ما زلت أتعلم، وما زلت أخطئ أحيانًا، لكنني اليوم أتعامل مع المال كوسيلة لا كهاجس، كأداة للحياة لا كدرعٍ أختبئ خلفه.

أصبحت أنفق على نفسي فيما أحتاجه فعلًا، لا أدّخر بشكل مبالغ فيه، ولا أترك التسوّق العاطفي يتحكّم بي.

أشتري ملابسي بشكل سنوي حسب الحاجة، أذهب إلى السبا، ربما أجرّب جلسة مساج، أسافر إن توفّر لي مبلغ لعطلة قصيرة، أشتري الإكسسوارات وأتزيّن، وأستثمر في نفسي عبر الدورات والتدريبات.

أدركت تمامًا أن الإنفاق على نفسي هو استثمار، مع الحرص على عدم الانقياد وراء الحملات الإعلانية التي لا تريد منك سوى أن تكون مستهلكًا.

بدأت أيضًا بتطبيق قاعدة 50 – 30 – 20:

  • 50% من الراتب للاحتياجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، مثل: إيجار المنزل، الفواتير، المواد الغذائية الأساسية، والمواصلات.
  • 30% من الراتب للرغبات والنفقات الكمالية، مثل: الخروج مع الأصدقاء، عطلة قصيرة، الترفيه، أو تجربة نشاط جديد.
  • أما 20% المتبقية، فهي مخصّصة للادخار و/أو الاستثمار، مثل: صندوق الطوارئ، حسابات التوفير، أو الاستثمار في الذهب أو العملات الرقمية.

في النهاية، لا أنسى أمر الله لنا: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، وفي موضعٍ آخر: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث﴾. الحياة قصيرة، ويحق لنا فيها أن نتمتع، وأن نستثمر في أنفسنا، دون مغالاة أو إفراط.

إن كنتِ تشبهينني في شيء من هذه الحكاية، تذكّري: الأمان لا يُكدّس في الحسابات البنكية فقط، بل يُبنى أولًا داخلنا.

شارك هذا الـمقال