الثانية ظهرًا
٩٤٢ كلمة

لم يولد هذا المثل الشعبي في كُتب الاقتصاد، ولا في خطط الاستثمار، بل خرج من أفواه أناس وجدوا أنفسهم عالقين في المنتصف.

لا يملكون فائضًا يسمح لهم بالاطمئنان، ولا فقرًا صافيًا يعلمهم القبول القاسي.

تبدو هذه الجملة تعويذة أو تميمة.

نقولها في لحظات الضيق، حين يختلط الحساب بالخوف، وحين يتحول المستقبل إلى فكرة غائمة، غير قابلة للتخطيط أو الضبط.

نقولها لتخفيف التوتر أكثر مما تُقال لتبرير القرار.

في عالمٍ لا يكافئ الادخار بالاستقرار المادي، ولا يضمن أي شيء حتى الاستمرار، يصبح الإيمان بالغيب وسيلة البقاء الوحيدة.

ليس من الضروري أن يكون إيمانًا دينيًا خالصًا بالمكتوب، بل لحظة يتداخل فيها الإيمان الديني بالإيمان العملي؛ تشبه ما يفعله المرء حين يخرج من بيته دون مظلة، وهو يعلم أن السماء قد تمطر، لكنه يخرج على أي حال لأنه لا يملك المظلة من الأساس.

ينظر للسماء ويقول: ”خليها على الله“.

الطبقة المتوسطة: سكان المنتصف المرهقين

في الأدبيات الاقتصادية، الطبقة المتوسطة هي كائن غريب هجين، ليس لها تعريف جامع يُغنينا ويُسمن من جوعٍ عن اكتشافها، ولا حدود واضحة تُغني عن الاحتكاك المباشر بها لفهمها.

المفارقة أن هذا ”الكائن الهجين“ هو في كثير من الأحيان رمانة الميزان في أي نظام اقتصادي؛ فمنه تنفجر الثورات، وعليه تتحدد حركة الأسواق وهو معيار لقياس ازدهار الأمة من عدمها.

محدثكم اليوم هو أحد أبناء هذه الطبقة.

فتحت عيني في هذه الدنيا، على والد يعمل في مجال التعليم، ووالدة تعمل في القطاع العام وكنت أول فرحتهم. ثم تبعتني أنثى، ثم توأم من ذكرٍ وأنثى، فأصبحنا ستة أفراد في البيت، وكنا دائمًا، والحمد لله مستوري الحال.

كان والدي من النوع الذي يُغرق أبناءه بما يشتهون؛ لا أذكر يومًا عاد فيه من عمله دون أن يكون بيده كيس أسود يحمل مفضلات كل فرد في البيت بما فيها أمي وبالطبع هذا بجانب احتياجات البيت المطلوبة.

في المقابل، كانت أمي هي ميزان الحكمة المالي، تحاول تهدئة عداد الصرف المنطلق بسرعة 180 كيلو على الطريق السريع. فهي تعلم أن الطريق، مهما ظهر منبسطًا كسجادة من الحرير، ففي أي لحظة قد نفقد تلك الرفاهية، ويصبح الطريق مليئًا بالمطبات والحفر، وندعي ربنا ساعتها أن الفرامل تلحقنا!

هكذا نشأت داخل هذه الطبقة: على الرفاهية والاعتدال في آنٍ واحد.

طبقة لا تملك رفاهية الغني كي تُخطئ دون خوف، ولا بساطة الفقير التي تعلمه التكيف القاسي.

هي دائمًا في المنتصف:

منتصف السلم، منتصف الأمان، منتصف القلق!

تدرك جيدًا أن العالم الرأسمالي لا يرحم، لكنها في الوقت نفسه لا تملك ما يكفي للانسحاب. لا تستطيع القفز إلى الأعلى، ولا تملك رفاهية السقوط الكامل إلى الأسفل. فتظل واقفة، تمشي خطوةً إلى الأمام، وخطوتين للحساب، ثم تعود لتقنع نفسها بأن الأمور ”ما زالت تحت السيطرة“.

والسيطرة هنا ليست حقيقة، بل إحساس مؤقت، يُبنى على أرقام متحركة، وأسعار تتبدل، ووظائف قد تختفي فجأة دون إنذار.

حين تحول المال من أمان إلى قلق

في زمنٍ مضى، كان المال وعدًا بالاستقرار.
أما اليوم، فأصبح سؤالًا بأقواس مفتوحة منتظرًا إلى أجل غير مسمى. لم يعد الادخار خطةً واضحة، بل احتمالًا هشًّا، ضئيلًا إلى حد التلاشي.

واختفى الـFOMO في لغة التسويق؛ فالناس لم تعد تهتم بما يفوتها، إذ بالكاد تملك قوت يومها. ولم يعد للصرف متعةً خالصة، بل تحول إلى قرار مشوب بالذنب، يحتاج إلى تبرير عقلي ولغوي ومعنوي، ومفردات مرتب، وتقرير دخل سنوي، وتصنيف ائتماني أعلى فئة.

فمع كل صوت لإشعار الخصم من الكارت، ومع كل عدة لما تحمله في جيبك من كاش، لم يعد السؤال: ”هل أملك المال؟“
بل: ”هل يحق لي أن أنفقه؟“

ومن هنا قامت اللغة بما تفعله دائمًا في لحظات القلق؛ قامت بحشد قوات التدخل السريع في محاولة جدية لإنقاذ الموقف، والبحث عن إجابات سريعة لهذه الأسئلة، فقط كي لا يفقد الإنسان عقله مما يعانيه كل يوم

اللغة كوسيلة نجاة

لم نعد نقول ”صرفنا“، بل ”استثمرنا“.
لم نعد نقول ”اشترينا“، بل ”أعدنا ترتيب أولوياتنا“.
لم نعد نعترف بالخوف، بل نغلفه بكلمات مطمئنة:
”متحسبهاش كتير“…

”تيجي زي ماتيجي“…”اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب“.

هذه الجمل ليست كسلًا فكريًا، ولا هروبًا ساذجًا من الواقع، بل آليات دفاع نفسية؛ محاولات إنسانية للحفاظ على التوازن داخل نظام يطالبك دائمًا بأن تكون منتجًا، وناجحًا، وللسخرية: متفائلًا في الوقت نفسه، بينما كل السيوف الممكنة معلقة فوق رقبتك.

كل هذا مجرد لغة تحاول تخفيف وطأة القرار، وتوزيع ثقله على عضلات أخرى، بدلًا من أن تتركه كاملًا على كتفي الفرد وهقتبس هنا من كباتن الجيم جملة شهيرة وهي: ”خفف والعب صح“.

الرأسمالية وتحميل الفرد ما لا يحتمل

المفارقة أن هذا العالم، بكل قسوته، يصر على إقناعك بأن كل شيء هو مسؤوليتك الشخصية.
إن فشلت، لم يكن النظام قاسيًا، بل أنت ”من لم تُخطط جيدًا“.
وإن تعبت، لم تكن الوتيرة غير إنسانية، بل أنت لم ”تطور نفسك“ بما يكفي.

وهكذا، يتحول المال من وسيلة، إلى محكمة ودخلنا على المفرمة على حد قول خالد الذكر عصام صاصا.

ويتحول الفرد من إنسان، إلى مشروع غير مكتمل، مطالب دائمًا بالتحسين، والمقارنة، واللحاق بسيارة فيراري كاسرة العداد للدرجة اللي تخليك مش شايفلها نمرة مرورية، وانت معاك فيسبا طلياني.

في هذا السياق، يصبح القلق شعورًا طبيعيًا، بل إلزاميًا.

ويصبح أي إنفاق مهما كان ضئيلًا يحتاج إلى مرافعة ومحادثة داخلية قبل أن يحدث.

الغيب مساحة الأمان الأخيرة

حين تقول الطبقة المتوسطة ”يأتيك ما في الغيب“، فهي لا تهرب من الواقع، بل تخلق لنفسها مساحة أمان أخيرة.
مساحة لا يحكمها السوق، ولا تخضع للفوائد، ولا تُقاس بالجداول.
مساحة مؤقتة، لكنها ضرورية، يتنفس فيها الإنسان قبل أن يعود إلى السباق.

هل المشكلة في الجيب أم في العالم؟

ربما السؤال الحقيقي ليس: لماذا ننفق؟ ولا: لماذا لا ندخر؟

بل:

كيف أصبح البقاء نفسه مجهودًا؟
وكيف صارت أبسط تفاصيل الحياة تحتاج إلى حسابات معقدة؟

”اصرف ما في الجيب… يأتيك ما في الغيب“ ليست فلسفة مالية.

إنها مرآة ترينا حياة ملايين البشر الذين تعلموا أن يعيشوا بلا ضمانات، وأن مواصلة السير حتمية ولا مفر منها، حتى وقد يعلم ويعي الكثير منهم أن الطريق لم يُمهد لأمثالهم.

وفي عالم كهذا، لا يكون الغيب ترفًا روحيًا، بل ضرورة نفسية.
شيءٌ نتكئ عليه، ولو مؤقتًا، كي نواصل العيش.



شارك هذا الـمقال