الثانية ظهرًا
٨٥٠ كلمة

ظهر الخبير إثر موجة ضخمة من الاعتراضات والشكاوى. فلم تفلح دعوات الصبر والتأني والانتظار، ولا حتى نصائح النوم الوفير أو انتظار الراتب.
قال بصوتٍ جهير:

”أنتم تبحثون في المكان الخاطئ“.

كما هي العادة، أساء الجميع الظن بالخبير.

محاولة جديدة من الجهات المسؤولة كي تثبت أنه لا، ليست هناك مشكلة، هكذا قالت الجموع.

تعامل معها الخبير بصدر رحب وتأنٍّ وثبات، ولم ينطلق إلى الصراخ والاتهام بالجهل وعدم المعرفة.

تسبب الأداء المختلف لذلك الخبير في اضطرابٍ عند الجموع. كانوا جميعًا متحفزين وبالردود متسلحين كي يردوا على الحجج بالسباب والتخوين.
إن فشل ذلك في ثنيه عما يقول، سيصبح إذن في تعداد ”المطبِلين“.

قال إنه يتفهم!

ثم أضاف بعد أن استمع بإنصات، أن حالة الفزع التي يشعرون بها مبررة!

أُسقط في أيديهم جميعًا، فلم يعتادوا على مثل هذه النبرة في النقاش. أين الاتهام بالعمالة؟ وأين السُّباب؟

فلم تبدأ العبارات بـ”مع كامل احترامي لسيادتك“، ولم تنته بـ”يا راجل هي دي ناس“!

عندما هدأت الهمهمات، تنفس الخبير بعمق، وبدأ في تفصيل ما قال من قبل.

قال إن ربط الشغف بالأحلام هو بعينه لب المشكلة. أحلامك تعبر عما تتمنى، سواء ما تتمنى أن تحصل عليه أو ما تتمنى أن تكون عليه في المستقبل.

بعض الأحلام بسيطة، وبعض الأحلام أكثر تعقيدًا. ستنال بعضها، وربما لا تنال جلَّها.

سواء إن حققت بعض أحلامك أم لا، فإن تحقيق الحلم ليس له أي ارتباط بالشغف.

مع ظهور بعض علامات عدم الفهم على الوجوه، أضاف الخبير: أنا مثلًا أحلم أن تفوز مصر بكأس العالم، احتمالات تحقيق هذا الحلم تبدو لي في هذه اللحظة ضعيفة.
أشاهد كرة القدم، لا نية عندي لأن أمارسها أو أن أتدرب عليها. رؤية محاولات الفرق المصرية المختلفة على مدار أجيال متعددة أن تقترب من ذلك الحلم تضيف الإثارة إلى حياتي.
هل إذن من الممكن أن أعتبر نفسي شغوفًا بكرة القدم؟

لم يترك الخبير الجموع لحيرتهم، فبادر مباشرةً إلى طرح سؤال عليهم: ”ما هو الشغف؟“ قال إنه أولى لهم أن يتفقوا على معنى للشغف حتى تُكلَّل مساعي العثور عليه بالنجاح.
علت الهمهمات مرة أخرى. طريقة الحوار الهادئة تربكهم. تحرَّج محترفو الصياح من إطلاق أي صرخات.

قال الخبير: دعونا نتفق أن الشغف هو ذلك الشعور الجميل بالحب أو التعلق بشيء ما. الحماس الكبير الذي نشعر به عندما نتحدث عن ذلك الأمر، أو نمارسه، أو نسعى إليه.
وإن طبقنا هذا على مثال كرة القدم الذي طرحته عليكم من قبل، فأنا لا أمارس كرة القدم ولا أسعى إليها، ولا يد لي إطلاقًا بفوزنا من عدمه بكأس العالم.
لم يكن هذا شغفي، بل هذا حلمي أو أحد أحلامي.

توقف عن البحث عن شغفك في دفتر أحلامك الضائعة. لا تلُم ضيق وقتك على عدم العثور عليه. فالمشكلة يا سادة ليست هناك.
وقبل أن تسألوني:

ما هي المشكلة؟

دعني أخرجكم من تلك الحيرة.

المشكلة هي توقعاتكم.

نعم، سيطر على توقعاتك، تنعم بحياتك. لا تعني السيطرة على توقعاتك أن تخفضها، ولكن تعني أنك يجب أن تتوقع الشيء المناسب من المصدر المناسب.

ولا تنتظر من أحلامك أن تقدم لك شغفك، ولا تنتظر من شغفك أن يحقق لك أحلامك. عبَّرت عن هذه المعضلة الكاتبة إليزابيث جيلبرت.

قالت جيلبرت إن السبب الرئيسي في اعتقادكم أنكم فقدتم الشغف، أن أغلبنا تربّى على النموذج المثالي كما ورد في قصص الأطفال.

يحلم الطفل بأن يكون رائد فضاء، يقرر هذا وهو في السابعة، يمضي ما تبقى من عمره راكضًا وراء ذلك الحلم.

ثم لأننا لا نريد أن نتسبب بالإحباط للأطفال، فجميع القصص التي يقرؤونها تنتهي بنهاية سعيدة. نكبر ونعتقد أن هذا هو النموذج المثالي للشغف والسعي وراءه.

وعندما نجد أنفسنا أننا لا نود أن نكون رواد فضاء، ولم نقرر بعد ونحن في الثلاثين من عمرنا أو أكثر ماذا نريد أن نكون، نقرر أن نلوم الدنيا.

نخرج معلنين على وسائل التواصل الاجتماعي أننا نبحث عن الشغف، ولا نتردد في إطلاق المقولة المكررة أن الشغف خرج ولم يعد، وإن كان أحد رآه فليدلَّنا جميعًا عليه.
تسمي جيلبرت هؤلاء الناس ذوي الشغف الواضح المستقر ”المطارق الثقيلة“ (Jackhammers). نكبر ونحن نعتقد أن ذلك هو الطبيعي.

يؤسفني أن أخبركم اليوم أن هذه ليست الحقيقة!

علت الأصوات من كل جانب. يلمح رجلًا يحدث نفسه وهو يحدق في السماء، ربما كان يحلم فعلًا بأن يكون رائد فضاء، وأفسد هو عليه اليوم ذلك الحلم.

كانت درجة حرارة الغرفة قد ارتفعت كثيرًا، ولا وقت لمزيد من الإثارة. فانطلق الخبير ليجيب على السؤال بصورة نهائية.

الحقيقة تقول، وكما أوردتها جيلبرت، إن أغلبنا من فصيلة الطيور الطنانة (Hummingbirds)، ننتقل من الهوس بشيء واحد والشغف بأمر محدد، إلى هوايات كثيرة والتأرجح بين أفكارٍ عدة.

فنكون اليوم نتعلم الطبخ، وغدًا شغوفين باللغة الإيطالية، وبعد غد نريد أن نتعلم البرمجة. نعتقد أن هذا التنقل يجب أن يسبب لنا الإحباط، لأننا متمسكون بذلك النموذج من الشغف الذي تعلمناه في السابعة من عمرنا، فنُحبَطُ تحقيقًا للنبوءة.

ولكن في الحقيقة، نحن لسنا في مشكلة.

نحن نعشق الحياة ونلقِّح العالم بالأفكار.

فلن نصبح جميعًا رواد فضاء، فذلك حلم لطفلٍ أصبح فيما بعد شغفه.

ولكننا شغوفون بالحياة. نريد أن نعيشها ونختبرها بتنوع تجاربها.

فلا تبحث في دفاتر الأحلام القديمة، ولا في ورش التنمية الذاتية، ولا في قصص نجاح رواد الأعمال.

نحن شغوفون بالفضول!!

تفتَّحت العيون إلى الحد الذي ظن معه الخبير أن الحدقات التي غلَّفتها طبقة رقيقة من الدموع تكاد من فرط سخونتها أن يصعد منها بخار يملأ الغرفة.

انسحب الخبير في قفزة مفاجئة خارج الصورة.

فبإغلاق الباب على أي أسئلة، يفتح الباب لكل واحد منهم أن يترك فضوله يفسر مقصده.

شارك