في صباحٍ يوم غائم وفي انتظار أن تمطر السماء تحكي زميلاتي في المكتب الذي يضم كل يوم تسع فتيات عن الأبراج، كل منا تتحدث عن برجها وعن مَن تعاملت معهن من البرج نفسه وصفاتهن، أسأل
ألم تصادفن برج القوس؟
لم أصادف يومًا فتاة من برجي نفسه، لم يسبق لي أن تعاملت معه، أريد أن أرى فتاة هذا البرج من بعيد من خارج إطارها.
تقول نصائح الطب النفسي في رحلة اكتشاف الذات والآخرين: إنه عليك أن تعرف نفسك جيدًا، أبحث عن برجي، أقرأ صفاته، أبحث عن من يتشاركون معي الاهتمامات، أو حب الأشياء ذاتها، أشخاص يحملون اسمي نفسه، أو يشبهونني في الشكل أو في طبع ما، أحبه أو أكرهه، أجمع أجزاءً مني كلعبة puzzle ربما أعثر على الصورة الكاملة.
ثم حدث أن شاهدت النسخة المرممة لفيلم ”في شقة مصر الجديدة“ في السينما لأول مرة، بعد أن شاهدته مرات على التلفاز، حينها كانت المرة التي أخبرني فيها خان أن نجوى بطلة أحد أفلامي المفضلة هي برج القوس.
مشهد رأيته مرارًا لنجوى تغادر المنيا إلى القاهرة على متن القطار بصحبة صديقاتها، يتصفحن الجرنال، يبحثن عن حظوظهن اليوم، تسأل الفتاة نجوى
وأنت ايه يا نجوى؟
ترد: القوس
لأول مرة أنتبه لهذه اللحظة، أتأمل في نجوى التي أعرفها، أكتشف أنني أختبر الحياة بعيونها منذ سنوات وأنا غير مدركة لذلك، ما دام خان يرى فتاة برج القوس بهذا الشكل، فلا بد أنها كذلك.
”ستتعامد الشمس على برجك خلال الأيام القليلة القادمة“
هكذا أخبرها برجها، عادةً لا أهتم بما تقوله الأبراج، إن لمحت حظي اليوم عن طريق الصدفة، أتعمد نسيان ما قرأته حتى لا يشوش التفكيرُ عقلي طوال اليوم، ولكنني يومها، يوم أن انتبهت لهذا المشهد انتظرت تعامد الشمس على برجي في الأيام التالية.
ظللت أتأمل نجوى على الشاشة الكبيرة، أحصي أوجه الشبه والاختلاف.
أبحث عن أكثر الصفات تطابقًا، أكتشف في نجوى الصفة التي تدفعني لكتابة هذا الآن، التحايل لخلق قصة ما، صناعة حكاية من كل شيء.
تبحث نجوى عن تهاني لتخلق قصة شاعرية تريد أن تصنعها عن عمد، أرادت فقط في البداية أن تسألها عما إذا كان الحب موجودًا بالفعل، أرادت أن تتأكد من صدق حكايات معلمتها القديمة، الحقيقة وراء هذه الذكرى العالقة ببالها، أرادت أن تكتب بداية ووسط ونهاية للقصة التي بدأت بالفعل، ومثل نجوى لا تترك الحكايات للموت..
أذكر أن سألني صديقٌ لماذا بحثت فيما وراء صدفةٍ حدثت لي وكان من الممكن أن أتجاهلها أو أن أتعامل معها بشكل عادي، أو على الأقل كان من الممكن أن أكتبها كذكرى في دفتر مذكراتي، ولكنني طرحت الأسئلة، وفتحت الأبواب، وبحثت عن إجابة وصنعت فيلمًا… كانت إجابتي حينها أنني أردت أن أصنع حكاية.
لم يصدق حينها كان يريد أن يسقط الأمر على سبب أكثر عمقًا، ربما هو محق، وربما لا، لكنني حينها صدقت الإجابة، كنت أريد أن أصنع حكاية.
أغادر السينما الآن بحكاية جديدة، اليوم اكتشفت أن نجوى برج القوس، وعليَّ أن أكتب الآن عن هذا.