⁠العاشرة مساءً
٤١٧ كلمة

تأخذني الأحلام إلى قوقعة ذهبية… لكني أخرج منها!

”لو كنت نغمض عينيا
وتاخذني الأحلام من إيديا
نعلى ونحلق في سما بعيدة
وننسى الآلام“

أسمعها وأنا عيني مفتوحة على وسعها في طريقي للعودة من العمل، وقت الذروة، كورنيش النيل، القاهرة.

أتساءل لماذا يجب أن ”نغمض عينيا“ كي ”تأخذني الأحلام“؟ ألا أستطيع الحلم وعيني مفتوحة؟ ألا أستطيع أن أرى ما هو واقع مع ما أتمنى أن يكون؟

كلوحة مزدوجة؟ أن أرى الاثنين معًا؟ أن أرى الطريق يُصنع وأجري باتجاهه بكل طاقتي؟

يرن في أذني حينها المقطع الثاني ”و ننسى الآلام“، أفكر في الأمر، ففعلًا الآلام هي الملام! هي ما يعطلني.

الآلام حدثت فأخشى ذكراها وأرتعب من تكرارها أو أخشى أن تحدث من الأساس. أرتعب من فكرة الآلام!

فأهرب! أجري… أتشتت كطبق زجاجي سقط سهوًا، أتناثر في جميع الاتجاهات… واهمة…

أبدأ الأشياء ولا أكملها، أتذوق من كل طبق ملعقة، لا أنال تمام الأشياء، بل فرحة البدايات وبريقها ثم أتركها على الرف وأجرب غيرها.

إني هكذا أبحث عن ذاتي؟ ما هي ذاتي؟ ومن هي أنا؟

أرى بعضي في شعاع شمس هارب بين أوراق الشجر، بريق خافت، يهمس لي أو يكاد…

بصوت مرتعش من مكان بقيتي المشتتة الهاربة من الآلام، من الاعتراف حتى بإمكانية الفشل، بإمكانية بذل الجد بشكل حقيقي… ثم الفشل.

أقول إني متعددة الاهتمامات multi passionate. كم وقعُ هذه الكلمة مريحٌ! مهرب لامع كقوقعة ذهبية تختبئ داخلها سلحفاة.

خائفة من العالم أجمع!

لن يستطيع أحد أن يقول إني فشلت، لن تطالني الآلام… إن هممت بالاختباء كلما رأيت ظلها من بعيد. بعضي يضحك ضحكة نصر! هاهاها لن تجدني أبدًا!

فبعضي يتعلم اللغة اليابانية وبعضي قرر أن يصبح مذيعًا وآخر طباخًا وجزء صغير طبيبًا وآخر ممثلًا صوتيًّا وآخرين غيرهم. أختبئ في شتى الأماكن، وهكذا لن يجدني… أحد.

أهذا ما أريده حقًّا؟

أحاول تجميع ذاتي.

وسط يأسي وحيرتي من ماهيتي ووسط سيمفونية من أصوات أبواق السيارات في زحمة القاهرة المعهودة، أغالب دموعي وأتذكر كلمة يابانية عشوائية تركتها لي واحدة من أجزائي ”كنتسوجي“، فنُّ جمعِ الأجزاء المبعثرة ولصقها سويًّا بطلاء ذهبي.

أتساءل إن كان يتسع لأجزائي، أتردد لكن يرد عليّ أحد أجزائي: لا أحد غيرنا عنده كل هذه الأجزاء، لا يجمع كل هذه التجارب غيرنا، ما الضير في المحاولة؟ فكلنا أنت! جميعهم بعضي!

أجمع شتات أفكاري وأغادر… شاردة في خطوتي التالية ويتردد في أذني

”لو كنت نسافر في خيالي
نزرع ونبني قصور وليالي
يكبر فيها الحب وآمالي
ونمحي الآلام“

فعلًا!

ربما الحب هو الحل!

أن أحب كل أجزائي، أن أحب بعضي وكلي وجميع محاولاتي، عندها تكبر آمالي وأحلامي ومقابلها تصغر الآلام…

وصلت أخيرًا وجهتي. راغبة، عازمة على تجميع ذاتي مرة أخرى وخوض مغامرة جديدة في هذه الحياة… بلا هروب هذه المرة!

شارك