منذ ٤ سنوات وأنا أعمل بالتغذية مع مرضى السمنة والنحافة وعيادتي تقع أعلى أشهر محل حلويات بالمدينة وعلى مدار هذه السنوات يُمثّل الموقع الجغرافي للعيادة اختبارًا حقيقيًا لكل مريض يبدأ رحلته نحو حياة صحية.
يخرج المريض من العيادة حالمًا بالتغيير وحوله هالة خضراء مُضيئة وفي رأسه تصوّر مثالي عن الحياة الصحية وكأنه بصدد عهد جديد.. يستيقظ مُبكرًا دون تبرّم.. يُحضّر فطارًا مثاليًا تقوم فيه الخضروات بالدور الذي خلقها الله من أجله ولا مزيد من الخيانة والخلافات بينها وبين بعضها.. يحتسي القهوة على مهل وصوت فيروز في الخلفية يبعث السلام في نفسه.. ويذهب للعمل مُمارسًا رياضة المشي ورغم النشاط الزائد يصل وهو بكامل هندامه ليعمل بتركيز شديد لتحقيق نجاحات غير مسبوقة.
ووسط هذا الحُلم المثالي الرائع وبمجرد نزوله من سلالم البرج يصطدم بلافتة محل الحلويات ويبدأ الاختبار الأول لعهده الجديد وفي هذه اللحظة يتحول عزيزي الـDieter الحالم إلى أوديسيوس أمام اختبارات الآلهة وطوفان الأفكار والأسئلة.
يخطو أول خطوة ليخرج فيصبح أمام بوابة المحل وتبدأ المفاوضات لا معي ولا مع تعليماتي، ففي الغالب تكون أول جلسة تقييمية لا يحصل فيها المريض على أية تعليمات وإنما تبدأ المفاوضات مع نفسه.
لأنه لا يرى الأمر باعتباره تغييرًا تدريجيًا في طريقة الحياة فقط بل يراه وكأنه موعد مع نسخة جديدة من نفسه.. نسخة أخف وأكثر انضباطًا وأكثر رضا عن نفسها وربما أكثر استحقاقًا للحياة التي تريدها.
يقرر البعض أن يتهرّب من البدء مباشرة بعد الجلسة لزيادة يوم في حياة النعيم قبل الانضباط وذلك لسبب بسيط جدًا وهو أنه لن يقبل أن تتمتع نسخته المثالية بقطعة من حلوى لذيذة أو بولة باردة من الآيس كريم في يوم شديد الحرارة لأن الإنسان الصحي ذو الهالة الخضراء بالطبع لا يأكل الآيس كريم بل يستبدله بالزبادي اليوناني عالي البروتين.
وهنا يكمن مربط الفرس.. يرفض صديقي الـDieter الخبير الإنسان الذي هو تحت جلده، ورغباته واحتياجاته الإنسانية النفسية والجسمانية ليتبع تصوّرًا مثاليًا تمنى لو يستطيع أن يكونه.
والمثالية لا تعني بالضرورة أنني أريد أن أكون أفضل.. أحيانًا تعني أنني لا أستطيع أن أحتمل أن أكون إنسانًا عاديًا أقل من الأفضل.. والفرق بين الاثنين يبدو بسيطًا لكنه قادر على أن يحوّل أشياء كثيرة بسيطة إلى مشاق ومصاعب.
تقول Ellen Hopkins في كتابها Perfect:
”When did creating a flawless facade become a more vital goal than learning to love the person who lives inside your skin?“
المثالية ليست طريقة للحياة بل هي إيقاف مؤقت للحياة..
تجعل الإنسان دائمًا في حالة من الانتظار للحظة بعينها يستطيع فيها أن يكون نسخة أفضل من ذاته ومن حقيقته والانتظار يُكبّل المرء ويسرق أجمل ما في روحه… ننتظر لحظة مناسبة.. فرصة مناسبة.. شخصًا مناسبًا.. وظروفًا مناسبة يتوقف بها كل العبث وتتجه الأشياء لأماكنها المثالية..
بينما الحقيقة أننا ننتظر غالبًا هربًا من مواجهة اللحظة بهيئتنا الحالية التي يمكننا تحسينها أو العمل عليها.
المثالية تجعل المرء ترسًا في حلقة مفرغة لا تنتهي؛ ما إن تبدأ في الدوران حتى لا تتوقف أبدًا إلا حينما يشعر المرء بانقضاء العمر وفوات الأوان لفعل كل ما تمنى فعله غافلًا عما تركه خلفه من فرص كان يمكن اغتنامها وأمور كان يمكن خوض غمارها لأن الانتظار أسهل كثيرًا من القفز في البحر وحيدًا.
والسؤال هنا: هل تتوقف المثالية عن ملاحقتنا إن تحركنا؟
الإجابة للأسف: لا، لأنها لا تضع لنا خط نهاية واضحًا. هي ببساطة تحركه كلما اقتربنا منه.
نخسر الوزن الذي كنا نريده فنبدأ في التفكير في الوزن الذي يجعلنا في أمان من عودة دائرة الزيادة.. ننجز العمل الذي كان يؤرقنا فنكتشف أن هناك عشرة أشياء أخرى كان ينبغي أن ننجزها.. نصل إلى المكان الذي كنا نحلم به فنبدأ في التشكيك في أنفسنا.. هل نستحق فعلًا هذا المكان؟ قد كان بإمكاننا تقديم المزيد!
وكأن الوصول نفسه لا يمنحنا الحق في الفرح أو الاحتفال أو الراحة لأن هناك دائمًا نسخة أفضل قليلًا تنتظر منا أن نصل إليها وتتطلب منا مزيدًا من الركض.
يقول فيرناندو بيسو في كتابه ”لست ذا شأن“:
”لدينا جميعًا نوعان من الحياة؛ حياة حقيقية وهي التي نحلم بها في طفولتنا ونستمر في الحُلم بها كبارًا وحياة خاطئة تلك التي نتقاسمها مع الآخرين في انتظار أن يُنهيها الكفن“
لا جدوى حقيقية من اختيار كفة المثالية لإصلاح الحياة أو جعلها أفضل.
فإن لم يغيرها المرء بنفسه بهيئته الحالية فلن ينصلح أي شيء، فالمحاولة هي كل شيء وخوض غمار الأمور هو رأس كُل خير وصلاح.
لذلك أؤمن أن الحياة أقصر بكثير من أن تقضيها مُنتظرًا وأجمل بكثير من أن تضيعها في محاولة العثور عليها.. علينا أن نوازن دائمًا بين كفة الحياة وكفة انتظارها وهذا ما يُعيننا على المضي قدمًا صوب الحياة الحقيقية التي نستحقها والتي نحترم فيها الإنسان الذي هو تحت جلدنا.
أصبحت أخبر مرضاي بأن سعرات بولة الآيس كريم تتراوح بين ١٢٠–٢٠٠ كالوري وأني أفضل نكهة الفستق على أي حال. ولا بأس أن يكون المرء إنسانًا صحيًا بدون هالة خضراء وهمية يتناول ما يحب.. يفكر فيما يحتاج، ويعيش مُحترمًا الإنسان الذي هو تحت جلده.