أتذكر هذا اليوم جيدًا، كنت في الصف الأول أو الثاني الإعدادي، عندما ذهبت للمعادي لأول مرة بمفردي .. قفزت لذهني تلك الفكرة أنه“ واااااااااو كل الناس دي عايشة وعندها حياة برة العالم بتاعي اللي أنا عارفاه“.
عالمي كان عبارة عن الحي الذي أسكن فيه، فيه بيتي ومدرستي وأصدقاء العائلة. أما الأقارب جميعهم في دمياط… آخر الدنيا على حافة نهاية العالم طبعًا.
منذ تلك اللحظة انتابني شعور الخوف والقلق ”احنا كتير أوي بس شبه بعض أكيد“.
جاءت بعد مدة بسيطة الصدمة الثانية عندما كنت في المدرسة ووجدت صديقتي معها ساندوتش بيض وعليه كاتشب، استغربت للغاية هل يوجد أحد في العالم يضع كاتشب على البيض؟! كنت أظن أننا كتير آه بس نشبه بعض في شكلنا كبشر وفي أنظمتنا الغذائية أيضًا.
أذكر جيدًا عندما أتممت الحادية عشرة كيف تملكت مني الثقة المبالغ فيها بالنفس وأني على علم بكل شيء. أضحك الآن كلما أتذكر مدى يقيني بمعرفة كل شيء وكم كنت أرى أني أذكى بكثير من أبي وأمي، وأنهم يا حرام خبراتهم في الحياة بسيطة على عكسي.
الآن وأنا أم لطفل عمره ١٢ عامًا، أرى في عينيه تلك النظرة التي كنت أنظر بها لأهلي، أصبّر نفسي وأقول معلش يا إسراء بكرة يكبر ويشوف الدنيا والعالم ويعرف أن الله حق.
”كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة“
الإمام النفري
عند كل صدمة/اتساع رؤية، كان يغمرني شعور لذة المفاجأة، أحب فكرة أن هناك جديدًا وأني لسه بتعرف على نفسي ومشاعري وأفكاري.
يصاحب شعور اللذة شعور آخر مخيف، أشعر بضآلة معرفتي بالعالم وكم كوني نقطة صغيرة في هذا الكون.
المعرفة تقتل أحيانًا
”ماما هو ليه الكلام عن الفلوس عيب؟“ تفاجأت بسؤال يحيى ونحن في نقاش محتدم أصر فيه أن يعرف كم تكلفت رحلة للعين السخنة عزمونا عليها أهل محمد.
حاولت أن أشرح له كيف أنه من غير المقبول أن نسأل الناس كم دفعوا لنا، أو عن مرتبهم، رد عليا بكل برود إنجليزي من الذي قال إنه عيب ولماذا نستسلم لآراء الناس، وأنه كيف سيتعلم عن المال والاقتصاد إذا لم يعرف كم تتكلف الأشياء.
بصراحة في البداية شعرت بالإحراج وأسقط في يدي واقتنعت بوجهة نظره، قلت له عندك حق يا يحيى وتناقشنا عن الفرق بين ثقافات الشعوب في تعريف المواقف المحرجة.
تذكرت عندما بدأت عملي في لندن أن الحديث مع زملاء العمل عن الأموال كان واضحًا وصريحًا ومباشرًا جدًا بشكل يدعو للاندهاش.
تذكرت أيضًا لحظة اكتشافي لمعنى الإحراج أمام الناس.
كنت أصغر من يحيى سنًّا ربما بعام أو اثنين، موجودين في مطعم مع أبي وأصدقائه وكان العدد كبيرًا لدرجة تدعو لاندهاشي حينها قلت بصوت عالٍ لأبي أمام الجميع ”احنا كتيير أوي مين هيدفع للناس دي كلها؟“.
كان السؤال مدعاة لضحك الجميع ولشعور أبي بالإحراج وبالتبعية لشعوري بالذنب الشديد، لكن لم أدرِ ما السبب وراء ضحكهم، وأظن أن شعور الذنب كان المقابل عندي للإحراج.
أول مرة أتذكر تلك الذكرى بمزيج من التقبل لنفسي كانت بعد نقاشي مع يحيى. أحب شعور التعلم المستمر واكتشاف الذات المباغت.
توالت الصدمات مع تكرار عدد لا نهائي من اللحظات المفاجئة، كبرت ونضجت وسافرت وتعودت على تلك اللحظة المباغتة التي تشعرك بمدى ضآلتك كشخص واحد في وسط هذا الكون المزدحم.
شعور مخيف في المرات الأولى، لكنه يهذب النفس، لست وحدي، لست مهمة كما كنت أظن، والعالم لا يدور حولي وحول معرفتي فقط.
هناك لذة خفية في المعرفة، معرفة وجود الآخر سواء كان شخصًا أو فكرة أو مجرد ساندوتش مختلف، ربما يقودنا هذا لتجربته في المرة القادمة.
والآن بعد كل تجربة أمر بها أعود لأنتظر بكل شغف وترقب متى ستكون لحظتي القادمة لاتساع رؤيتي.