الثانية ظهرًا
٣٥٦ كلمة

يستحق جنسنا البشري بجدارة لقب أفضل راصد للتواريخ؛ نحفظ الأيام المميزة من الضياع وسط باقي الأوقات العادية: يوم سفر، يوم فقد، يوم ميلاد، وأي يوم يجعلنا نقسم الحياة إلى قبل وبعد.

ننسج هالة حول فكرة أن التحولات الكبرى تأتي بصوت عالٍ، وأن الحياة لا تتغير إلا عندما يحدث شيء واضح بما يكفي لنلحظه. لكن دائمًا ما تكون للفراشات رأيٌ مخالف.

تقرر فجأة أن تحرك جناحها في الصين، فينتهي بك الأمر محبوسًا في المنزل، تتنفس المعقمات أكثر من الأكسجين، مع أنك أصلًا في أفريقيا!

أحداث ضخمة بدأت بتحولات صغيرة في لحظات عادية لا نلقي لها بالًا؛ مجرد رفرفة فراشة تكشف أن الحياة أكثر حساسية مما نتخيل.

لكن ماذا لو أن أكثر لحظاتنا تأثيرًا لم تبدُ مهمة أصلًا حين حدثت؟

ألا توجد فراشات في العدم؟

ماذا لو قررت فراشتي فجأة ألا ترفرف؟

نفس الأثر الضخم الناتج عن حدوث الصغائر يمكن أن ينتج عن عدم حدوثها. إلغاء قرار في اللحظة الأخيرة، ورسائل مُسحت بعد كتابتها، وكل التراجعات عند الحافة.

لقد غيّرنا عدم الحدوث بقدر ما غيّرنا الحدوث.

وقتها نتعرف على رفيق جديد، غير مرحب بحضوره غالبًا… اسمه السيد «شبح الفرص الضائعة».

ومن المسمى الوظيفي له تبدو مهمته واضحة: فيروس طفيلي يصيب الأفكار، يمنعها من الاستمتاع بالموجود، ويدفعها إلى التفكير فيما كان يمكن أن يحدث.

كأن لعنة الإنسان ألا تكفيه حياة واحدة فقط، فيعيش حياته، والاحتمالات التي كانت ستؤول إليها أيضًا، سواء حدثت أم لم تحدث.

هي فعلًا شبح؛ لا حضور حقيقيًا لها، لكن ثقلها يظل يطارد الحقيقة. ليس لأنها مضمونة السعادة، بقدر ما لأنها كانت من الممكن أن تحدث، ولأن هناك شعورًا بأن حياة كاملة لم تُعطَ فرصة لتُعاش.

وقبل أن نصل إلى ما حدث فعلًا، نكون قد عشنا بالفعل ما كان يمكن أن يحدث.

ليست كل الفراشات ترفرف. بعضها يبقى ساكنًا إلى الأبد، ومع ذلك يترك خلفه ريحًا تكفي لتغيير حياة كاملة.

وربما لهذا لن يتمكن الإنسان يومًا من معرفة اللحظة الحقيقية التي غيّرته:

هل كانت حدثًا كبيرًا يتذكره بوضوح؟

أم تفصيلة صغيرة مرت بصمت؟

أم شيئًا لم يحدث أصلًا؟

ربما سنظل طوال حياتنا نحاول فهم أنفسنا من خلال ما عشناه، بينما الحقيقة أن جزءًا منا تكوّن أيضًا من الاحتمالات الضائعة، ومن الطرق التي لم نسلكها، ومن النسخ التي تركناها خلفنا دون أن نراها أبدًا.

شارك