كنت طفلًا يملؤه الارتياب، كانت تُربكني أبسط الأسئلة عن حالي، وعن اسمي، وعمّا أفعل، لكن ذلك السؤال الذي كان يزيد ارتيابي هو:
عايز تطلع إيه لما تكبر؟
كان هذا السؤال يتكرر من أشخاص مختلفين طيلة حياتي، مما جعلني أفكر: لماذا يشغل مثل هذا السؤال بال الجميع؟ ماذا إن كنت لا أدري؟ وما تكلفة جهلي بهذا الآن؟
حتى أجابني أحدهم: ”يجب أن تعرف حتى تمتلك معنًى لحياتك، فإن لم تملك معنًى لحياتك ستصبح حياتك بلا معنى.“
لم أكن أدرك حينها أنها مغالطة منطقية تُعرف بـ”الاستدلال الدائري“ أو ”المصادرة على المطلوب“، حيث كان السبب هو ذاته النتيجة (إن لم تملك معنًى للحياة = ستصبح حياتك بلا معنى).
كانت مقنعة حينها، رغم أنه لم يُجب عن السؤال: لماذا يجب أن أمتلك معنًى؟
لم يعد هذا السؤال يشغلني اليوم، لأن دراستي لـعلم النفس التطوري أجابت عنه بمنتهى الموضوعية: المعنى هو ما يحرك السيارة إلى الأمام؛ فرغم قدرة السيارة على الحركة، لا يستطيع السائق أن يحركها بلا وجهة محددة مسبقًا، وغياب هذه الوجهة قد يشلّ حركة السائق والسيارة معًا.
فالإنسان، في غياب المعنى والوجهة، يستهلك عقلُه طاقةً كبيرة في حساب الاحتمالات المختلفة قبل الحركة، وفي أحيانٍ أخرى يشلّ غياب الوجهة العقل مجازيًا، خوفًا من أن تُهدر طاقته دون فائدة محسوبة.
لكن معضلة أخرى هي التي احتلت تفكيري: إذا كان المعنى مهمًا لهذه الدرجة، فما هو المعنى؟
تجيب الفلسفة وعلم الدلالة واللسانيات عن هذا السؤال العميق بمنتهى البساطة – ”لا يوجد معنى في ذاته، وإنما ينشأ المعنى من خلال الاختلاف والعلاقات بين الأشياء“ – فكّر في العبد والسيد، هل يمكن أن يوجد سيد بلا عبد؟ أو عبد بلا سيد؟ هل تحمل الألوان معنى بدون وجود ألوان أخرى تختلف عنها؟ هل يمكن للموسيقى أن تحمل معنى وهي نغمة واحدة بلا اختلاف؟
حتمًا لا يمكن أن يوجد معنى دون اختلاف أو علاقة، وهذا يعني أنه لا يوجد معنى في ذاته.
فهل كان يدري ذلك الحكيم الذي نصحني بأن أحصل على معنى أنه ينصحني بشيء خالٍ من الجوهر؟ هل كان يعلم أنه يطلب مني أن أقف على الفراغ؟
قد تبدو هذه الكلمات عدمية بعض الشيء، لكنها محرِّرة.
فعندما أدركت أنه لا يوجد معنى يجب عليّ امتلاكه، وأن المعنى شيء شديد الخصوصية، وأن عليّ خلقه لا البحث عنه، كانت تلك البداية:
بداية خلقٍ وحرية ومسؤولية هذه الحرية.