قبل كل امتحان، أستجدي سبل العطف كلها وأنا أقف أمام ”ست الكل“ قائلةً لها: ”ماما، أرجوكِ ارجعي ذاكري لي بالشبشب“، فتعطيني نظرة شامتة متبوعةً بجملة: ”كل واحد يشيل شيلته“، وتتركني غارقة في بحر اختياراتي اللي مدمرة حياتي.
في الحقيقة، لم أكن أطلب ”الشبشب“ بجد، إنما كنت أطلب أن يختفي عبء الاختيار. في السابق كانت الخريطة واضحة؛ هناك وقت محدد، ومهمة مرسومة، وشخص آخر يتولى مسؤولية كل شيء. لم يكن عليَّ أن أقرر متى أبدأ، ولا ماذا أذاكر، ولا كيف أقسّم وقتي. كنت مجرد مُنفِّذة، وهذا كان كافيًا جدًا لمنحي طمأنينة لم أدرك قيمتها آنذاك.
الآن، أصبحت المذاكرة مواجهةً مباشرة مع الذات ومسؤوليةً شخصية بالكامل؛ تطور طبيعي، لكن التجربة من الداخل أقل بساطةً مما تبدو عليه. أجلس أمام الكتب فتبدأ الأسئلة في محاصرتي، ومع كل سؤال تظهر بدائل أخرى ويصبح القرار أكثر تعقيدًا مما ينبغي:
هل أبدأ بالمحاسبة أم بالاقتصاد؟ هل أراجع ما درسته سابقًا أم أفتح موضوعًا جديدًا؟ أتذكر فجأة كورس الصحافة الاستقصائية الذي بدأته قبل عام، هل أكمله الآن؟ أم أترك كل شيء وأفكر لماذا تشلّني كثرة الاختيارات وأكتب عنها؟ تغريني هذه الفكرة بشكل غريب.
فهمت تمامًا ما عناه سورين كيركغارد حين تحدث عن القلق المرتبط بالحرية. قلقٌ غير ناتج عن خوف من شيء محدد، بل هو ذلك ”الدوار“ الذي يصيبك وأنت تقف أمام احتمالات مفتوحة؛ تدرك أنك قادر على الاختيار، لكنك تدرك أيضًا أن كل خطوة تتخذها تعني استبعاد خيارات أخرى للأبد.
هذا الوعي المستمر بالبدائل يجعل الفعل نفسه أثقل، وكأنك تقف على حافة مرتفعة؛ لا يوجد خطر مباشر، لكن إدراكك بأن السقوط ممكن هو ما يخلق ذلك الشعور غير المريح.
هذا التردد لم يظل حبيسًا بين غلافات الكتب، بل امتد ليشمل قراراتي المصيرية. في فترة ما، كان أمامي خيار التحويل من الكلية؛ اخترت تخصصي في البداية بإرادتي، وكان القرار مناسبًا لظروفي حينها، وبعدما تغيرت الظروف وانتقلت لمكان آخر أصبح التغيير متاحًا بشكل واضح، ومع ذلك لم أفعل؛ بقيت في مكاني.
لا أدري إن كان هذا هو الخيار الأفضل بالضرورة، لكنه كان الخيار الأقل تعقيدًا في مواجهة مسؤولية البدء من جديد.
تكمن صعوبة الحرية في أنها تضعنا أمام الحقيقة؛ حيث يختفي الآخرون ونبقى نحن وحدنا المسؤولين عن مسار حياتنا.
هذا النوع من المسؤولية قد يسرق منا راحة البال، إذ يحرمنا من رفاهية إلقاء اللوم على الظروف أو تعليق إخفاقاتنا على شماعة الآخرين. ومع ذلك، يظل هذا العبء هو الطريق الوحيد لنمتلك زمام حياتنا؛ فأن نكون أحرارًا يعني أن نكون نحن المحرك الأساسي لكل خيار، مهما كان صغيرًا.
وفي النهاية، ورغم كل هذا الضجيج، أعود إلى الواقع البسيط. سأذاكر، حتى مع كل تلك الأسئلة غير المحسومة، وسأتقبل تفوق كيركغارد عليَّ هذه المرة؛ ليس إعلانًا للانهزام، ولكن لأن هناك امتحانًا، وهناك وقت يمر، وجدول الامتحانات لن يمهلني حتى أحسم كل جدالاتي.