⁠العاشرة مساءً
٥٦٧ كلمة

كيف طوّر الرفض نفسه في ذاكرتنا؟

يوم عادي جدًا من سنة 200,000 قبل الميلاد في إحدى كهوف العالم، أحد أبناء العشيرة تم طرده منها لسبب لم نتمكن من رصده ولا يهم الآن، ما يهم أن النفي من المجموعة وقتها لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان الانتماء للقبيلة هو الضامن الوحيد للطعام والنار والحماية، والخروج من دائرتها هو حكم مباشر بالهلاك.

يوم عادي آخر في عصر ما بعد الحداثة:

مجموعة بائسين يركض كل منهم في عالمه.

الأول وبعد انتظار أسابيع، وصله الـ email الموعود ولكن يحمل عبارة:

(Unfortunately, you have not been selected)

محطمة كل خيالاته وأحلامه وكيف ستتغير حياته لو تم قبوله.

والثاني يختبر مرارة الـ ghosting للمرة الأولى، يعيد قراءة رسائله القديمة عسى أن يجد جوابًا مقنعًا للاختفاء، يتأرجح بين لوم نفسه ولوم الآخر.

أما الأخير فانتقل لمكان جديد مع أشخاص مختلفين عنه، يتحرك خلالهم محاولًا الاندماج، فاقدًا للانتماء، كان يراقب ضحكاتهم ويحاول تقليد إيقاعها لعل صوته ينسجم يومًا مع أصواتهم.

تجارب مختلفة؟

ظاهريًا نعم.

لكن بالرغم من تفرد التجربة الذاتية لكل منهم، إلا أنها في العمق تحمل جميعها نفس التجربة القديمة (الرفض). من أول رجل الكهف وصولًا لإنسان ما بعد الحداثة وتغيّر شكل العالم وحتى تغيّر الإنسان نفسه، إلا أن إرثه ظل متأصلًا في العقل البشري.

ترجم العقل قديمًا أن الرفض يعني الجوع، العدو، البرد… والموت.

أورثنا التهديد الوجودي، فترجمت عقولنا أن الرفض يعني إقصاء اجتماعي، فقدان الدعم، ومحو للهوية. تغيرت ماهية الخطر، ولم يتغير تعامل الدماغ معها.

عندما نرى مشنقة الرفض نصب أعيننا لا يقتصر الألم على أرواحنا، بل يمد يده ممسكًا بأجسادنا، ملهبًا لها بسياط غير مرئية.

شعور الإنسان أنه (not good enough) يجعله يشكك في صلاحيته للحياة، فيرضى بالعيش على الهوامش، يتعلق بأطراف علاقات، يتسول بقية المشاعر، يمحو ذاته ويتقلص حتى لا يعود سوى انعكاس لرؤية الآخر له.

ولكن مع لحظات الرضا الصغيرة التي تعقب هذا النوع من القبول يزيد قلقه واحتقاره لذاته الحقيقية التي يضطر لمواجهتها كل ليلة، مدركًا أن لا مفر من انتصارها.

تتجلى لنا عند هذه النقطة أن العزلة وبناء الأسوار هي الوصفة السحرية للتعافي، فنبدأ بالتهرب من المقابلات وإغلاق الهواتف وتبني فكرة الفردية والاستغناء، بينما لا ندرك أنه هروب مؤقت من الحياة التي لا بد أن نعود ونواجهها يومًا ما.

التعافي الحقيقي هو معرفتنا أنه لا مجال لتجنب الرفض، لكن ما بين الرفض الأول والرفض الأخير، هناك مساحة صغيرة لم ننتبه لها كثيرًا: مساحة الاختيار.

نحن نظل نرى الرفض كقرار يُفرض علينا من الخارج، وكأنه ختم يُصدّق على قيمتنا أو ينفيها. بينما الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من التحرر يبدأ عندما ندرك أن لنا الحق في اختيار الأماكن التي ننتمي إليها، والأشخاص الذين نسمح لهم بالاقتراب، وأن هذا الرفض لا يمسنا شخصيًا ولا يهددنا، وأن عدم كوننا مناسبين لشخص أو مجموعة ليس بالضرورة أن يعني أننا سيئون، نحن فقط لا نناسب هذا المكان.

وعندما نتوقف عن محاكمة ذواتنا بمقاييس الآخرين، ونكفّ عن جرّ أنفسنا بالقوة نحو أبواب لا تُفتح، نبدأ نلمح ممرات أخرى ما كانت لتظهر لو لم نُطرَد من الأولى.

الرفض، في جوهره، ليس نهاية الطريق… بل إعادة توجيه.

وما يبدو كخسارة في لحظة، قد يكون نزوحًا ضروريًا نحو أرض أكثر اتساعًا، نحو نسخة أصدق منّا، ما كانت لتولد دون أن نُدفع خارج الدوائر التي ضاقت علينا.

وفي كل مرة نظن أننا نُترك وحدنا، نكتشف لاحقًا أننا في الحقيقة نُعاد إلى أنفسنا، وأن العالم بالتأكيد يحتوي أركانًا وقلوبًا تسعنا… في أماكن أخرى لم نكتشفها بعد، وكما قال ليجي سي:

لو الدنيا دي مبتسمعنيش

مش معنى كده إن العيب فيا

شارك هذا الـمقال