من حوالي كام سنة، وجدت نفسي بين مجموعة من الأشخاص الذين ينتمون إلى أماكن مختلفة من العالم. كل واحد فينا جاء من مكان مختلف تمامًا على الكرة الأرضية، وكلنا وضعتنا الأقدار، أو الطور الأخير من الرأسمالية، أو آلهة الأوليمب، في المكان نفسه.
أقابلهم مرتين في الأسبوع، ونتحدث عن العالم، والعلم، والطب، والأشياء. ثم تطوّرت علاقتنا من قاعات المحاضرات إلى جروب واتساب، نتشارك فيه الشكوى والمواعيد والامتحانات، وبعدين واحدة منّا، على سبيل النشاط الاجتماعي غالبًا وكسر قوالب الجليد التي تحيط بكل واحد منا بدرجات مختلفة، اقترحت إن كل واحد فينا يقترح أغنية أو مقطعًا موسيقيًا من بلده.
من خلال هذه اللعبة، سمعت أغاني وموسيقى في الغالب ما كنتُ لأسمعها في مسار حياتي المعتاد. أغاني من المكسيك، وكولومبيا، وغانا، وجنوب أفريقيا، وشيلي، ونيوزيلندا، وألمانيا، والصين، وأنجولا، وهايتي.
أنغام عجيبة؛ بعضها احتفظت به، وبعضها الآخر كان غير مفهوم أصلًا بالنسبة لي، ولا يناسب ذائقتي، فاكتفيت بالمرور عليه سريعًا دون انتباه.
لما حاولت أدور لهم على حاجة، فكرت في أم كلثوم طبعًا، باعتبارها الخيار الأوضح والأسهل، وربما الأكسل. وبعدين حسيت أن دا هيبقى ظلمًا لهم، وليها، وليّا. لأنها سياق كامل، صعب جدًا التعبير عنه أو نقله. صعب أبعت لهم حيرت قلبي معاك وأقول إنها أغنية؛ لأنها، بشكل ما، مش أغنية. مش بس أغنية.
هي طبعًا أغنية، وبس، لو بصيت لها على إنها أغنية وبس. لكني عمري ما قدرت أتعامل معاها باعتبارها أغنية وبس؛ لأني كل مرة بسمعها، بفتكر لحظة بعينها، من يوم معين، قاعد فيه على قهوة الساعة ٣ الفجر، وبفكر في فكرة معينة.
بشكل ما، حسيت أني هخون اللحظة دي لو بعت لهم الأغنية وقلت لهم إنها مجرد أغنية.
وانطبق الأمر على أشياء كثيرة أخرى فكرت فيها.
المهم إن اختياري في الآخر وقع على لونجا ٨٥ ولونجا ٧٩ لهاني شنودة. والثانية معروفة أكتر بكتير طبعًا؛ لأنها المقدمة الموسيقية لبرنامج الكاميرا في الملعب.
بدأ برنامج الكاميرا في الملعب تقريبًا سنة ١٩٨٦، وكانت فكرته بسيطة جدًا: الكاميرا تنزل الملعب. لقاءات مع اللاعبين، والمديرين الفنيين، والجماهير.
حدث ذلك في وقت كانت فيه تلك العوالم بعيدة عن العين، بالطبع قبل أن تصبح الكاميرا والصورة جزءًا من جهاز نمسكه كل ساعة في اليوم. في تلك اللحظة، بدا البرنامج فكرة من خارج السياق، وحقق بالفعل نجاحًا كبيرًا.
لما سمع الشباب التراكين، بعت لي الشاب اللي هو من هايتي يقولي إن الموسيقى دي جميلة قوي.
قلت له: آه والله، جميلة فعلًا.
قال لي: فعلًا جميلة قوي، وفكرتني بأيام جميلة.
قلت له: آه والله، أكيد.
ونسيت الأمر كله.
لما قابلته، قال لي: فاكر الموسيقى الجميلة اللي بعتهالنا؟
هزيت راسي وقلت له: أكيد.
قال لي، تاني، إنها فكرتُه بأيام جميلة.
قلت له: أكيد. الموسيقى دايمًا بتعمل كده.
للحظات كنت هبدأ أحكي له عن النظريات اللي بتحاول تفهم هي ليه بتعمل كده، لكنه كمّل كلامه.
قال لي إنها فكّرته بجده، لما كان بيحاول يعمل منه هو وإخواته لعيبة كورة، وياخده بالعربية في رحلات طويلة يلف بيه على مراكز الكشافة، لعلّ أحدهم يرى فيه خيرًا، وينتشلهم من الفقر.
وإنه، صحيح، مكانش لعيب كورة كويس لدرجة إن حد ياخده، وبالتالي ركّز في التعليم، والقراية، والثقافة، والهبل ده. لكن رحلات العربية الطويلة دي مع جده هي الذكريات اللي فضلت له. والمزيكا دي نقلت له الشعور ده؛ شعور البهجة، والانتظار، واهتزاز العربية، وحتى تعطلها المستمر.
فكرت في احتمالية إنه يكون بصّ في قسم التعليقات، مثلًا، على يوتيوب، وشاف تعليقًا باللغة الإنجليزية بيتكلم عن الكاميرا في الملعب، والتعليق اتحفر في دماغه بشكل ما، وبعدين استدعاه لما دماغه قررت تستدعي الذكرى.
فكرت في كذا احتمال.
يمكن… ويمكن لا.
بصيت له وأنا ساكت، وبفكر: هل المفروض أقوله إن الموسيقى دي بالذات مرتبطة، في وجدان جيل كامل، بكرة القدم برضه؟
وإن أي حد عاش فترة الثمانينيات والتسعينيات، وسمع الموسيقى دي، غالبًا هيفكر في حاجة مشابهة؟
وأني أنا، شخصيًا، بفتكر كنبة ستي في الزقازيق، وهي في المطبخ بتعمل الأكل عشان تجيبهولي، وأنا قاعد قدام الشاشة، مستني البرنامج، عشان أسمع موسيقى المقدمة بالأساس.
صدفة؟ ربما. غرائبية؟ ربما. لها معنى؟ وربما لا معنى لها.
لن يخبرني أحد بمعناها، حتى لو كان لها معنى على كل حال. وكل ما يمكنني فعله هو نقلها لغيري، باعتباري شهدتها بنفسي.
فكرت كمان قد إيه الفن شيء عجيب.
رسالة في زجاجة مرمية في البحر، بالمعنى المباشر.
يكتبها إنسان في مكان قاصٍ من العالم، ولا يدرك، ولا يفهم، ولا يستوعب، ولا يعرف أي شيء عمّن سيستقبلها في الجانب الآخر من العالم، ولا عن التأثير الذي ستحدثه.
بل وربما تحدث بعض الغرائب أثناء ذلك.
فننبسط… لحد ما نموت.